بعد ارتفاعه 91%… لماذا يُعدّ ارتفاع المازوت قاسيًا على الاقتصاد اللبناني واللبنانيين؟
لم يعد الارتفاع الحاد في أسعار المازوت مجرد تطور في أسواق الطاقة العالمية، بل بدأ يتحول إلى عامل ضغط مباشر على اقتصادات تعتمد بصورة كبيرة على هذا الوقود في النقل والإنتاج وتوليد الكهرباء، وفي مقدمتها لبنان.
ففي الولايات المتحدة، قفز متوسط سعر الديزل إلى مستوى تاريخي جديد بلغ 5.85 دولارات للغالون، متجاوزًا الرقم القياسي السابق المسجل في حزيران 2022، فيما ارتفعت الأسعار بنحو 55% منذ 28 شباط الماضي، بحسب تقرير حديث لوكالة «رويترز».
ولا تكمن المشكلة في الأسعار وحدها. فمخزونات نواتج التقطير الأميركية، التي تشمل الديزل ووقود التدفئة، سجلت في آب أدنى مستوياتها لهذا الوقت من السنة منذ 1982، فيما تراجعت المخزونات على الساحل الشرقي الأميركي إلى مستوى قياسي بلغ 19.3 مليون برميل. كما سجل هامش تكرير الديزل مستوى قياسيًا وصل إلى 108.02 دولارات للبرميل.
وتأتي هذه التطورات فيما تستعد الأسواق لدخول مرحلة يرتفع فيها عادة الطلب على الديزل مع موسم الحصاد والنشاط الزراعي، بالتزامن مع الاستعداد لفصل الشتاء وارتفاع الطلب على وقود التدفئة، ما يزيد المخاوف من استمرار الضغوط على الأسعار.
وفي لبنان، أكد وزير الاقتصاد والتجارة الدكتور عامر البساط أن سعر المازوت عالميًا ارتفع بنسبة 91%، مشيرًا إلى أن هذا الارتفاع انعكس على لبنان وعلى تعرفة المولدات.
لكن أهمية المازوت بالنسبة إلى لبنان تتجاوز بكثير سعر الصفيحة أو فاتورة المولد. فهذه المادة تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في جزء واسع من النشاط الاقتصادي، ما يجعل ارتفاع سعرها قادرًا على الانتقال من قطاع إلى آخر وصولًا إلى جيب المواطن.
تعرفة المولدات… انعكاس مباشر
يظهر أول انعكاس واضح لارتفاع المازوت في تعرفة المولدات الخاصة، التي لا تزال تشكل جزءًا أساسيًا من فاتورة الطاقة التي تتحملها الأسر والمؤسسات.
فقد حددت وزارة الطاقة والمياه تعرفة شهر آب بـ48,241 ليرة لكل كيلوواط ساعة في المدن والتجمعات المكتظة والمناطق الواقعة على ارتفاع أقل من 700 متر، وترتفع إلى 53,065 ليرة في القرى والمناطق المتباعدة أو الواقعة على ارتفاع أكثر من 700 متر.
وبُنيت التعرفة على متوسط سعر لصفيحة المازوت سعة 20 ليتر بلغ 2,415,495 ليرة خلال آب.
وتكشف تفاصيل احتساب التعرفة مدى ثقل المازوت داخل فاتورة الكهرباء، إذ بلغت كلفة إنتاج وتوزيع الكيلوواط الواحد قبل الربح 43,856 ليرة، منها نحو 35,025 ليرة تعود إلى المازوت وحده، أي ما يقارب 80% من الكلفة.
وبالتالي، فإن أي ارتفاع إضافي في سعر المازوت يمكن أن يظهر سريعًا في التعرفة التي يدفعها المواطن والمؤسسة، طالما بقي الاعتماد على المولدات الخاصة بهذا الحجم.
كلفة الإنتاج… المشكلة تنتقل إلى السلعة
لكن الأثر الاقتصادي لا ينتهي عند فاتورة المولد. فالمصنع أو الفرن أو المطعم أو المتجر أو المستودع المبرد الذي ترتفع عليه كلفة الكهرباء، ترتفع عليه عمليًا كلفة التشغيل والإنتاج أيضًا.
وفي بعض الأنشطة، يدخل المازوت بصورة مباشرة في تشغيل الآلات والمولدات، فيما تتحمله مؤسسات أخرى بصورة غير مباشرة من خلال فاتورة الكهرباء أو النقل.
وهنا تبدأ خطورة ارتفاع أسعار الطاقة اقتصاديًا: إذ قد لا تبقى الزيادة محصورة لدى المؤسسة نفسها، بل تنتقل تدريجيًا إلى سعر السلعة أو الخدمة التي يشتريها المستهلك.
النقل… كلفة تنتقل من المرفأ إلى المتجر
يشكل النقل قناة أخرى أساسية لانتقال ارتفاع المازوت إلى الأسعار. فالشاحنات وآليات نقل البضائع والتوزيع تعتمد بصورة أساسية على الديزل، وبالتالي فإن ارتفاع سعره يزيد كلفة نقل البضائع بين المرافئ والمستودعات والمصانع والمتاجر ومختلف المناطق اللبنانية.
وهذا يعني أن السلعة المستوردة قد تتحمل زيادة في الكلفة بعد وصولها إلى لبنان، فيما يتحمل الإنتاج المحلي بدوره ارتفاع كلفة نقل المواد الأولية والمنتجات النهائية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن تأثير الديزل على النقل لا يقتصر على قطاع بعينه، بل يمتد إلى الغذاء والمواد الصناعية والزراعية والسلع الاستهلاكية.
وهو تحديدًا ما حذّر منه خبراء في تقرير «رويترز» الأخير، إذ أشاروا إلى أن ارتفاع الديزل يرفع كلفة النقل والإنتاج ويمكن أن ينعكس في نهاية المطاف على أسعار الغذاء والسلع.
الزراعة والغذاء… المازوت يدخل في أكثر من حلقة
القطاع الزراعي بدوره شديد الحساسية لسعر المازوت. فالكلفة لا ترتبط فقط بنقل المحاصيل، بل تدخل الطاقة في تشغيل عدد من المعدات والآليات والمولدات وأنظمة الري، ثم تأتي لاحقًا كلفة نقل الإنتاج من الحقول إلى أسواق الجملة ونقاط البيع.
وهكذا يمكن أن يتعرض المنتج الزراعي لضغط مزدوج: ارتفاع كلفة الإنتاج من جهة، وارتفاع كلفة النقل والتوزيع من جهة أخرى.
وإذا انتقلت هذه الزيادة إلى الأسعار، يصبح المستهلك في النهاية هو الحلقة الأخيرة التي تتحمل جزءًا من الكلفة.
المستشفيات… الطاقة كلفة لا يمكن الاستغناء عنها
الأثر يصبح أكثر حساسية عندما يصل إلى القطاع الاستشفائي، حيث لا تشكل الكهرباء كلفة يمكن ببساطة خفضها عبر إطفاء المعدات أو تقليص ساعات التشغيل.
وكانت نقابة المستشفيات في لبنان قد حذرت في وقت سابق من ارتفاع حجم نفقات المستشفيات المرتبطة بتصاعد أسعار المحروقات، إلى جانب ارتفاع أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية وفواتير الكهرباء والطعام ومواد التنظيف.
وتظهر الأرقام حجم العبء الذي يمكن أن تفرضه الطاقة على المستشفيات. فقد أوضح نقيب المستشفيات البروفسور بيار يارد، في حديث صحافي حديث، أن مستشفى الجعيتاوي يحتاج إلى نحو 10 أطنان من المازوت يوميًا، بكلفة قُدرت بنحو 12 ألف دولار يوميًا، فيما يصل استهلاك مركز الجامعة الأميركية الطبي مع محيطه إلى نحو 50 طنًا يوميًا.
وفي قطاع يحتاج إلى الكهرباء على مدار الساعة لتشغيل غرف العمليات والعناية المركزة والمختبرات وأجهزة التبريد والتجهيزات الطبية، فإن أي ارتفاع كبير ومستمر في كلفة الطاقة يضيف ضغطًا جديدًا إلى الكلفة التشغيلية للمستشفيات.
الشتاء… فاتورة أخرى تقترب
ويأتي ارتفاع المازوت فيما تفصل أشهر قليلة عن فصل الشتاء، حين يرتفع الطلب على وقود التدفئة عالميًا ومحليًا.
وفي لبنان، تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بالنسبة إلى سكان المناطق الجبلية والمرتفعة والباردة، حيث لا يزال المازوت يستخدم في التدفئة المنزلية وفي عدد من المؤسسات والمدارس والفنادق.
وهنا يصبح ارتفاع السعر عبئًا مباشرًا على الأسرة: إلى جانب فاتورة المولد والنقل والغذاء، تظهر فاتورة التدفئة خلال الأشهر الباردة.
أما عالميًا، فإن دخول موسم الشتاء مع انخفاض مخزونات نواتج التقطير يضيف عنصر ضغط آخر إلى السوق. وقد أشار تقرير «رويترز» إلى أن ارتفاع الطلب الموسمي من الزراعة والتدفئة قد يزيد الضغوط على سوق الديزل خلال المرحلة المقبلة.
من المازوت إلى التضخم
في النهاية، تكمن خطورة ارتفاع المازوت بالنسبة إلى لبنان في أنه لا يبقى محصورًا ضمن بند واحد من موازنة الأسرة أو المؤسسة.
فهو يدخل في الكهرباء والإنتاج والنقل والزراعة والغذاء والمستشفيات والتدفئة، ما يجعله قادرًا على نقل ارتفاع كلفته عبر أجزاء واسعة من الاقتصاد.
وبالنسبة إلى بلد يعتمد بصورة كبيرة على استيراد الطاقة والسلع، ويعاني أصلًا من ضعف القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة، تصبح أي موجة جديدة من ارتفاع أسعار المازوت أكثر حساسية.
فاللبناني قد لا يدفع ثمن ارتفاع المازوت فقط عندما يشتري صفيحة الوقود، بل يدفعه مرة في فاتورة المولد، ومرة في كلفة السلعة، وأخرى في النقل والغذاء والخدمات، ومع حلول الشتاء قد يدفعه مجددًا في التدفئة.
من هنا، فإن وصول الديزل إلى مستويات تاريخية في الولايات المتحدة، بالتزامن مع استمرار الضغوط على الإمدادات العالمية، ليس تطورًا بعيدًا عن لبنان.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي