ايكون نيوز
بعد سنوات بقيت فيها خطوط التماس اليمنية محكومة إلى حد كبير بقواعد اشتباك لا تسمح بانفجار الحرب الشاملة، عادت الجبهات الغربية لتشتعل دفعة واحدة. هذه المرة لا تقف أهمية المعركة عند تعز أو الحديدة، بل تمتد مباشرة إلى المخا وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
المواجهات التي اندلعت الخميس وامتدت إلى الساعات الأولى من الجمعة 4 أيلول/سبتمبر لم تكن اشتباكاً موضعياً. تقارير ميدانية تحدثت عن قتال استمر ساعات طويلة على محاور مقبنة والكدحة والبرح، بالتزامن مع وصول تعزيزات من قوات العمالقة ودرع الوطن لدعم جبهتي تعز والساحل الغربي.
14 صاروخاً باليستياً والمسيّرات تدخل المعركة
بحسب الجيش اليمني التابع للحكومة المعترف بها دولياً، أطلقت جماعة أنصار الله 14 صاروخاً باليستياً بالتزامن مع هجمات بالطائرات المسيّرة باتجاه مناطق في الساحل الغربي لمحافظتي تعز والحديدة. وقالت القوات الحكومية إن دفاعاتها أسقطت عدداً من المسيّرات، بينما استمر تبادل النيران على محاور القتال.
هذه الأرقام صادرة عن الجانب الحكومي، ولم يصدر حتى الآن تأكيد مستقل لها، ولذلك ينبغي التعامل معها كرواية طرف في المعركة لا كحصيلة محايدة نهائية.
لكن حجم النيران، بغض النظر عن الخلاف على الأرقام، يشير إلى انتقال المواجهة إلى مستوى مختلف عن المناوشات التقليدية التي عرفتها الجبهات خلال فترة التهدئة.
الهدف الأخطر: الطريق إلى المخا
هنا تكمن العقدة الحقيقية.
مصادر عسكرية يمنية تحدثت عن محاولة أنصار الله التقدم على الجبهة الغربية بطريقة تهدد الطريق الرابط بين تعز والمخا. وإذا قُطع هذا الطريق أو أصبحت السيطرة عليه موضع نزاع مستمر، فإن المسألة لن تبقى معركة على بضعة تلال ومواقع عسكرية.
المخا ميناء استراتيجي على البحر الأحمر، وتقع بالقرب من باب المندب. ولذلك فإن الاقتراب من خطوط إمدادها يعني الاقتراب سياسياً وعسكرياً من واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في المنطقة.
واللافت أكثر أن القوات الحكومية أعلنت تدمير زورق مفخخ قالت إنه حاول استهداف ميناء المخا. البيان لم يحدد الجهة المسؤولة عن الزورق، ولذلك لا يصح نسب العملية إلى أنصار الله من دون دليل إضافي، لكن وقوع الحادث بالتزامن مع التصعيد البري والصاروخي يزيد حساسية المشهد البحري.
لماذا الآن؟
السؤال الأهم ليس أين وقعت الاشتباكات، بل لماذا انفجرت هذه الجبهة في هذا التوقيت؟
الإجابة تبدأ من البحر.
بعد التطورات التي أصابت الملاحة عبر مضيق هرمز، ارتفعت القيمة الاستراتيجية لباب المندب بالنسبة إلى حركة الطاقة والتجارة. وكالة الصحافة الفرنسية نقلت عن مصدر عسكري يمني أن الهجوم يستهدف التقدم باتجاه باب المندب والمناطق الخاضعة للقوات الحكومية، مشيرة إلى أن أهمية المضيق ازدادت كمسار لعبور النفط السعودي في ظل أزمة هرمز.
وهذا يغيّر معنى المعركة.
إذا كانت هرمز بوابة الخليج شرقاً، فإن باب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. ولذلك فإن وجود توتر عسكري عند الممرين في الوقت نفسه يضع جزءاً كبيراً من شبكة الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا تحت ضغط جيوسياسي استثنائي.
## تعز ليست الهدف وحدها
الميدان يكشف بدوره حجم الرهان.
مصادر حكومية قالت إن أنصار الله شنوا هجوماً واسعاً على مواقع في مقبنة والكدحة، وإنهم تمكنوا لفترة وجيزة من السيطرة على بعض المواقع قبل أن تنفذ القوات الحكومية هجوماً مضاداً وتستعيد جزءاً منها. وفي المقابل، وصلت تعزيزات إضافية إلى الجبهات الغربية.
أما الخسائر، فتختلف باختلاف المصادر. وكالة فرانس برس نقلت عن مصادر من الطرفين مقتل 13 من القوات الحكومية، بينهم ضابطان، و11 من مقاتلي أنصار الله، بينما تحدثت وكالة شينخوا عن حصيلة مختلفة بلغت 15 من القوات الحكومية و10 من أنصار الله. هذا التباين يجعل الحصيلة الدقيقة مفتوحة إلى حين اتضاح الصورة.
الأهم من العدد هو أن المواجهة تحولت إلى قتال بري حقيقي، ترافقه مدفعية وصواريخ ومسيّرات وتعزيزات عسكرية.
من هرمز إلى باب المندب
وهنا تصبح الصورة الإقليمية أكثر خطورة.
ليس هناك حتى الآن ما يكفي لإثبات أن تحريك الجبهة اليمنية جاء بقرار إيراني مباشر مرتبط بأزمة هرمز، وبالتالي سيكون من الخطأ تقديم هذا الاستنتاج كحقيقة.
لكن التزامن يستحق القراءة.
طهران تملك ثقلاً استراتيجياً عند هرمز، وأنصار الله يملكون قدرة مثبتة على التأثير في الملاحة قرب باب المندب والبحر الأحمر. وبين المضيقين تمر شرايين أساسية للطاقة والتجارة العالمية.
لذلك فإن عودة الحرب اليمنية إلى الساحل الغربي الآن تعني أن أي تصعيد واسع لن يبقى يمنياً.
السعودية أمام معادلة دقيقة
الرياض أيضاً تراقب جبهة لا تحتمل التعامل معها كملف يمني داخلي فقط.
فالسعودية تحتاج إلى إبقاء طرق تصدير الطاقة مفتوحة، وأي اضطراب متزامن في هرمز وباب المندب يضاعف المخاطر الاقتصادية والاستراتيجية عليها.
وهنا تظهر حساسية التحركات العسكرية الأخيرة: إذا تطورت المواجهة إلى محاولة تغيير فعلي لخطوط السيطرة في الساحل الغربي، فقد تجد الرياض نفسها أمام سؤال كانت تحاول منذ سنوات تفاديه: هل تستطيع إبقاء نفسها خارج حرب يمنية واسعة إذا أصبحت المعركة تمس مباشرة أمن البحر الأحمر وطرق تصدير الطاقة؟
هل انهارت هدنة 2022 عملياً؟
منذ نيسان 2022 عاش اليمن حالة تهدئة طويلة، رغم عدم الوصول إلى تسوية سياسية نهائية. لكن المواجهات بدأت تتجدد منذ تموز الماضي على عدة جبهات، بينها مأرب والجوف والضالع وتعز، قبل أن تصل الآن إلى هذا المستوى من التصعيد في الغرب.
ولهذا فإن الساعات والأيام المقبلة ستكون حاسمة.
إذا بقيت المعارك محصورة في مقبنة والكدحة والبرح، فقد يكون ما نشهده جولة قاسية جديدة ضمن قواعد الاشتباك اليمنية.
أما إذا اتجه القتال جنوباً وغرباً بصورة منظمة نحو خطوط المخا وباب المندب، أو بدأت عمليات بحرية متزامنة مع الهجوم البري، فسنكون أمام شيء مختلف تماماً:
معركة على بوابة البحر الأحمر.
وعندها لن يكون السؤال من يسيطر على موقع هنا أو تلة هناك، بل من يستطيع الإمساك بالممر الذي أصبح، في ظل أزمة هرمز، أكثر أهمية من أي وقت مضى.
من هرمز إلى باب المندب، تبدو المنطقة وكأنها تدخل حرب الممرات. واليمن، الذي ظن كثيرون أن جبهاته جُمّدت، قد يكون المكان الذي تُفتح منه الجبهة التالية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :