الديليفري في لبنان.. من خدمة ضرورية إلى قطاع بلا حسيب!

الديليفري في لبنان.. من خدمة ضرورية إلى قطاع بلا حسيب!

لم يعد عامل الديليفري مشهداً عابراً في الشارع اللبناني. هو اليوم جزء من تفاصيل الحياة اليومية، حاضر أمام المطاعم والمتاجر والصيدليات، وعلى الطرقات وفي الأحياء، يحمل طلبات الناس وينقل الطعام والبضائع من باب إلى باب.

 
ومع اتساع هذه الخدمة، تغيّرت طبيعة المهنة نفسها. لم تعد مجرد عمل فردي يقوم به شاب بدراجته النارية، بل تحوّلت إلى قطاع تديره شركات ومؤسسات، بعضها يضم عشرات العاملين وبعضها مئات. قطاعٌ نشأ بسرعة، ووفّر فرص عمل في زمن بات فيه تأمين فرصة عمل بحد ذاته معركة، لكنه في المقابل يبدو أنه سبق القوانين والرقابة التي يفترض أن تنظّمه.
 
ولكن.. من يراقب قطاع الديليفري في لبنان؟
 
السؤال يبدو بسيطاً، لكن الإجابة عنه ليست كذلك. فعامل التوصيل يقف عند تقاطع أكثر من جهة: هو عامل له حقوق، وسائق على الطريق، وقد يكون ناقلاً لمواد غذائية، ويمثل مؤسسة أمام الزبون. ومع ذلك، لا يبدو واضحاً للمواطن، وربما حتى للعامل نفسه، أين تبدأ مسؤولية الشركة وأين تنتهي، وأي جهة رسمية يفترض أن تراقب هذا القطاع بكل جوانبه.
 
عندما تسلّم مؤسسة طلباً غذائياً إلى عامل توصيل، فهي لا تسلّمه مجرد كيس. إنها تضع بين يديه جزءاً من صورتها ومسؤوليتها أمام المستهلك. وبالتالي، لا يجوز أن تتحول شروط النظافة والسلامة إلى مسألة شخصية يقررها كل عامل وفق إمكاناته أو اهتمامه.
 
عامل الديليفري الذي يتعامل يومياً مع الطعام يفترض أن يخضع لشروط صحية واضحة، وأن يكون مظهره ونظافته الشخصية ومعداته على مستوى طبيعة العمل الذي يقوم به. كما يفترض أن تكون وسائل النظافة والتعقيم جزءاً من أدوات المهنة، لا أمراً ثانوياً.
 
أما حقيبة التوصيل أو الصندوق المثبت على الدراجة، فليست مجرد قطعة من المعدات، إنها المكان الذي يوضع فيه الطعام قبل أن يصل إلى مائدة المستهلك.
 
ومع ذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو من يراقب نظافة هذه الحقائب؟ ومن يضمن تنظيفها وتعقيمها وصيانتها بشكل دوري؟
 
فالحقيبة التي تحمل الطعام لا يمكن أن تُعامل كصندوق عادي، ولا أن تتحول مع الوقت إلى مستودع للروائح والأوساخ وبقايا الطلبات السابقة. سلامة الغذاء لا تتوقف عند باب المطعم، بل تستمر حتى لحظة وصول الطعام إلى المستهلك.
 
لكن الأخطر ربما يكمن على الطريق.
 
عامل الديليفري يقضي ساعات طويلة على دراجته النارية، وسط زحمة السير، وفي مختلف الظروف الجوية، وتحت ضغط الوقت. وكل دقيقة إضافية قد تعني طلباً إضافياً، وكل تأخير قد يعني شكوى من زبون، وهنا يصبح من المشروع طرح سؤال أكثر إلحاحاً: هل يتحوّل ضغط العمل إلى ضغط على الطريق؟
 
عندما يندفع عامل توصيل بين السيارات، أو يتجاوز الإشارة، أو يقود بسرعة تفوق قدرته على السيطرة، لا تكون المسألة مجرد “مخالفة سير”. هناك عامل يخاطر بحياته، ومواطنون معرضون للخطر، ومؤسسة يفترض أنها تتحمل جزءاً من مسؤولية تنظيم عمله.
 
لذلك، لا يكفي أن تملك الشركة أسطولاً من الدراجات وأنظمة لتوزيع الطلبات. عليها أيضاً أن تملك نظاماً واضحاً للسلامة، وأن تدرّب عمالها، وأن تراقب التزامهم بقوانين السير، وأن لا تجعل سرعة التوصيل معياراً يتقدم على سلامة الإنسان.
 
ثم ماذا عن العامل نفسه؟
 
من يحميه إذا وقع عن دراجته أثناء توصيل طلب؟ ماذا يحدث إذا أصيب في حادث؟ هل هو مغطى؟ هل لديه عقد واضح؟ هل يعرف حقوقه؟ ماذا عن العامل المؤقت أو الذي يعمل بصورة ظرفية؟ وماذا عن العمال الأجانب الذين يدخلون هذا القطاع أيضاً؟
 
هذه ليست أسئلة هامشية، بل حقوق أساسية يفترض أن تكون محسومة قبل أن ينطلق العامل إلى الشارع، لا بعد أن يتعرض لحادث أو إصابة.
 
والسؤال هنا يعود إلى الدولة.. أين الإطار الناظم لهذه المهنة؟
 
هل هي مسؤولية وزارة العمل باعتبارها جهة تتصل بحقوق العامل وشروط استخدامه؟ أم وزارة الصحة في ما يرتبط بالشروط الصحية وسلامة الغذاء؟ أم وزارة الداخلية في ما يتصل بالسلامة المرورية؟ أم أن المسؤولية موزعة بين أكثر من جهة، بحيث تصبح في النهاية مسؤولية الجميع، وبالتالي لا مسؤولية أحد؟
 
المطلوب ليس اختراع قوانين تعرقل قطاعاً يؤمّن فرص عمل، ولا التضييق على شركات باتت جزءاً من الاقتصاد الجديد. المطلوب هو تنظيم هذا القطاع لحمايته من الفوضى، وحماية العامل والمستهلك والمجتمع في الوقت نفسه.
 
فالقطاع المنظم لا يحمي المواطن فقط، بل يحمي الشركات الملتزمة أيضاً. ويمنع أن تصبح الفوضى وسيلة للمنافسة، وأن تدفع المؤسسات الجادة ثمن التزامها بينما تتمكن مؤسسات أخرى من خفض كلفتها على حساب أجور العاملين أو سلامتهم أو الشروط الصحية.
 
الديليفري ليس ظاهرة مؤقتة. لقد أصبح جزءاً من الاقتصاد اللبناني ومن طريقة عيش الناس، وسيزداد حضوره كلما توسعت التجارة الإلكترونية والخدمات السريعة.
 
ولهذا، فإن تركه يسير وفق قاعدة “كل مؤسسة تدير أمورها كما تشاء” لم يعد مقبولاً.
 
نحن أمام قطاع يحتاج إلى تعريف قانوني واضح، ومعايير محددة للعمل، وضمانات للعاملين، وشروط صحية، وضوابط للمؤسسات المشغّلة، ورقابة فعلية على الدراجات ووسائل نقل الطلبات، وآليات واضحة للتعامل مع حوادث العمل والمسؤوليات القانونية، لأن انتظار المشكلة كي نفرض التنظيم ليس تنظيماً، بل إدارة للأزمات بعد وقوعها.
 
واليوم، قبل أن يصبح سقوط عامل عن دراجته خبراً، أو حادث سير قضية رأي عام، أو مخالفة صحية أزمة، يفترض بالدولة أن تتحرك، فالطريق مليء بعشرات وربما مئات عمال الديليفري الذين يخيطون الشوارع ليل نهار.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي