اتفاق أمني بين إسرائيل واليونان… نظرة لخريطة التهديدات وإعادة تقويم للميزان الإقليمي
إذا لم تقع مفاجآت في اللحظة الأخيرة، سيوقع اليوم اتفاق أمني تاريخي ليس أقل من هزة أرضية جيو-استراتيجية. فإسرائيل واليونان ستوقعان على صفقة التصدير الأمني الأكبر في تاريخ الدولة – مشروع “درع أخيل”، بمبلغ هائل يصل إلى 3.1 مليار يورو، والتي أقرت قبل نحو شهر في البرلمان اليوناني.
تتنكر اليونان للمنظومات الروسية والأوروبية القديمة التي لديها، وتودع أمن سمائها – من أثينا وحتى جزر السياحة في بحر إيجه – في يد ثلاث منظومات صواريخ إسرائيلية متطورة. كل من يتابع خريطة التهديدات الحالية يفهم بأن هذه ليست مجرد مشتريات عسكرية بل إعادة تقويم لميزان القوى الإقليمي.
يخرج المعنى السياسي للصفقة عن حدود البحر الأبيض المتوسط. ففي الآونة الأخيرة، نشهد تبلور حلف سُني – تركيا، مصر، السعودية ودول الخليج – الذي يتطلع لإملاء النبرة في الشرق الأوسط. فبينما تميزت العلاقات بينها في الماضي بصراعات قوى داخلية، أدت السنوات الأخيرة إلى مسيرة مصالحة تحركها مصالح اقتصادية وأمنية. يتطلع هذا الحلف لترسيخ سيطرة في المنطقة سواء كوزن مضاد للمحور الشيعي بقيادة إيران أم كأداة لتقليص النفوذ الغربي والإسرائيلي. أمام هذا المحور، يخلق الارتباط العملياتي بين القدس وأثينا وزناً مضاداً شديد القوة – كما يتبلور إلى جانب قبرص حاجز ذو مغزى في وجه تطلعات التوسع التركية.
درع في وجه أردوغان
بالنسبة لليونان، تعد الصفقة جواباً مباشراً لخلق ردع في وجه التطلعات الإقليمية التركية. ومع أن الدولتين عضوان في الناتو، تعيش اليونان تحت تهديد دائم من جانب تركيا التي ترغب في بعض من جزرها، بل واجتاحت في الماضي قبرص وتحوز القسم الشمالي الشرقي منها حتى اليوم. لدى تركيا ترسانة صواريخ باليستية من إنتاج ذاتي (مثل “التايفون”) ومنظومة مُسيرات هجومية هائلة.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن القيمة السياسية والاقتصادية بارزة: دولة عضو في الناتو تختار استبدال المنظومات الروسية مثلS300 و (Tor-M1) بمنظومات أزرق أبيض، وبذلك تثبت مكانة إسرائيل كقوة عظمى تكنولوجية، بالذات في فترة ضغوط دبلوماسية. الصفقة ليست لمرة واحدة، بل حلقة في سلسلة: سبقتها صفقة “حيتس 3” لألمانيا (نحو 3.5 مليار دولار)، التي جعلت “حيتس” العمود الفقري لمبادرة “سماء أوروبية محمية” في وجه التهديد الروسي؛ وصفقة “مقلاع داوود” لفنلندا (نحو 317 مليون يورو) بعد انضمامها إلى الناتو أمام حدود روسية تمتد 1300 كيلومتر. سوق التصدير الأمني الإسرائيلي لم يتضرر، بل يزدهر. تجربة إسرائيل العملياتية المثبتة في وجه تهديدات مركبة في حرب تتواصل منذ نحو ثلاث سنوات جعلت صناعتها الأمنية منتجاً لا يمكن لأوروبا أن تسمح لنفسها بأن تقاطعه.
ثلاث طبقات دفاع
ثمة تغيير فكري يقبع في قلب المشروع، ينقل مبنى دفاع سلاح الجو الإسرائيلي متعدد الطبقات إلى سلاح الجو اليوناني. المنظومات الإسرائيلية، إلى جانب منظومات قائمة في اليونان مثل الباتريوت الأمريكي، سترتبط بمركز تحكم ورقابة قُطري يقوم على أساس الذكاء الاصطناعي، يحلل التهديدات في الزمن الحقيقي ويوصي بالصاروخ الاعتراضي الأكثر نجاعة.
تتضمن الصفقة ثلاث طبقات: “مقلاع داوود” من “رفائيل” لدفاع بعيد المدى ضد صواريخ باليستية، و”باراك MX” من الصناعة الجوية المرنة في وجه الطائرات، والمروحيات والمُسيرات؛ و”سبايدر” منظومة متنقلة لاعتراض طائرات منخفضة الطيران والحوامات تنتشر في جزر اليونان.
منظومة الرادارات التي تندرج في الصفقة توفر جواباً غير مسبوق: رادارات “ألتا” متحركة من سلسلة MMR تغلق مناطق ميتة في طبوغرافيا بحر إيجه وتمنع “تسلل” مُسيرات وصواريخ جوالة من تحت التغطية المعيارية. رادار AESA يسمح بمتابعة دقيقة لمئات الأهداف بالتوازي بما في ذلك أهداف ذات بصمة متدنية؛ ورادارات بعيدة المدى تشخص إطلاق صواريخ باليستية من مسافة مئات الكيلومترات وتمنح الجيش اليوناني دقائق باهظة الثمن من زمن الأخطار.
الصفقة تضخ مبالغ طائلة من الصناعات الأمنية الإسرائيلية. لكنها ستثيب الاقتصاد اليوناني أيضاً: نحو 25 في المئة من المشروع سينتج محلياً، وستشارك 12 شركة يونانية كمقاولين فرعيين في عقود بقيمة أكثر من 700 مليون يورو.
في غضون 35 شهراً، ستنهي اليونان ثورة هندسية كاملة في سمائها تمنحها هدوءاً استراتيجياً مع شريك حقيقي مسلح من أخمص القدم وحتى الرأس بالتكنولوجيا الإسرائيلية، في قلب شرق البحر المتوسط.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي