الصين تستحضر ماضيها العريق.. مدن تحاكي التاريخ وتبهر ملايين السياح
نتيحة ذلك، ظهر مفهوم "Fanggu" أي "المحاكاة التاريخية". وفي مختلف أنحاء الصين، شُيّدت قرى كاملة تُحاكي الطراز القديم من الصفر. من القصور المتألقة إلى الشوارع الفسيحة المهيبة، جرى تصميم كل تفصيل بعناية فائقة. حتى النباتات المتسلّقة تُزرع بكميات كبيرة، والنتيجة هي مزيج مهيب، وإن كان غريبًا أحيانًا، يجمع بين تاريخ السلالات الصينية القديمة، والهندسة المعمارية، والجغرافيا.
نتيحة ذلك، ظهر مفهوم "Fanggu" أي "المحاكاة التاريخية". وفي مختلف أنحاء الصين، شُيّدت قرى كاملة تُحاكي الطراز القديم من الصفر. من القصور المتألقة إلى الشوارع الفسيحة المهيبة، جرى تصميم كل تفصيل بعناية فائقة. حتى النباتات المتسلّقة تُزرع بكميات كبيرة، والنتيجة هي مزيج مهيب، وإن كان غريبًا أحيانًا، يجمع بين تاريخ السلالات الصينية القديمة، والهندسة المعمارية، والجغرافيا.
وقال يانغ جينسونغ، مدير المعهد الدولي في أكاديمية الصين للسياحة، لصحيفة الشعب اليومية الحكومية في يونيو/حزيران الماضي، إنّ المستهلكين المعاصرين "أصبحوا أكثر استعدادًا للدفع مقابل القيمة العاطفية، إذ يبحثون عن تفاعل أعمق ومعنى ثقافي من خلال التجارب الغامرة".
تُظهر هذه الصورة الملتقطة عام 2019 سياحًا يلتقطون صورًا في منطقة المدينة القديمة التي جرى ترميمها في مدينة كاشغر، بمنطقة شينجيانغ غرب الصين
بالنسبة للعديد من المسافرين الصينيين الذين يشعرون بالإحباط بسبب تباطؤ الاقتصاد، تبدو قرى فانغغو ملاذًا مثاليًا للهروب من ضغوط الحياة اليومية. فعند الوصول إليها، يمكن للزائر، مقابل نحو 15 دولارًا فقط، الاختيار بين مئات الأزياء التقليدية الجاهزة المعروفة باسم "Hanfu".
ويحصل لقاء 10 دولارات إضافية، على التجربة الكاملة التي تشمل وضع المكياج، وإضافة الإكسسوارات، والتصوير الاحترافي، بالإضافة إلى معالجة الصور وتحريرها بعد التصوير. وتهدف هذه الجلسات إلى إبراز المظهر الكلاسيكي ذي البشرة الشاحبة والشفاه الحمراء، وقد أصبحت صورها تنتشر على نطاق واسع عبر منصة التواصل الاجتماعي الشهيرة شياو هونغ شو، وتعني الكتاب الأحمر الصغير.
وينسحب خوض هذه التجربة أيضًا على الزوار الأجانب. وقد ساهمت موجة "Chinamaxxing"، وهي ظاهرة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتروّج للممارسات والجماليات الصينية، في إقناع كثير من الشباب بالتخطيط لقضاء عطلهم في الصين. لكن يبقى السؤال: كيف تبدو هذه البلدات التي تحاكي الماضي في الواقع؟
بلدة غوبي المائية (بكين)
تمتلك بلدة غوبي قنوات مائية، وطرقات مرصوفة بالحجارة، وبيوت شاي مضاءة بالفوانيس، ومنازل أسقفها مغطاة بالبلاط الرمادي. وتقع البلدة عند سفح جزء سيماتاي من سور الصين العظيم، ما يجعلها ملاذًا مثاليًا للاسترخاء بعد رحلة شاقة في الأجواء الحارة.
ويمكن للزائر الاستمتاع برحلة بالقارب، حيث تصطف أشجار الصفصاف العتيقة على ضفتي القنوات، أو التجول في الساحة الرئيسية، حيث تطل اللوحات الخشبية المتشققة من بين النباتات المتسلقة.
في الواقع، غوبي ليست أثرًا تاريخيًا قديمًا، بل شيّدت عام 2014 بواسطة شركة مدعومة من الدولة ضمن مشروع بلغت قيمته نحو 600 مليون دولار. وقد جمع هذا المشروع بين اثنين من أشهر المعالم السياحية في الصين، أي سور الصين العظيم في الشمال، والقرى المائية في الجنوب. وهكذا، أصبحت تجربة كانت تتطلب سابقًا رحلة جوية تستغرق ساعتين من بكين، متاحة اليوم عبر رحلة بالسيارة لا تتجاوز الساعتين.
مدينة "داتانغ إيفربرايت" (شيآن)
يعود تاريخ معبد الأوز البري العملاق (في الوسط) إلى القرن السابع، بينما مدينة داتانغ إيفر برايت المحيطة به حديثة
في نحو عام 750 ميلاديًا، كانت مدينة شيآن أكبر مدن العالم وأكثرها تنوعًا ثقافيًا. وبفضل موقعها كبوابة رئيسية على طريق الحرير، كانت تضج بالتجار القادمين من مختلف أنحاء آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. أما اليوم، فقد أصبحت المدينة ذات طابع صيني بالكامل.
وفي شارعها المخصص للمشاة، يلتقط السيّاح الصور إلى جانب تماثيل أشهر شعراء أسرة تانغ، بينما يعرض أحد المخابز الراقية تنينًا مصنوعًا بالكامل من أرغفة الباغيت الفرنسية.
لكن المدينة، التي كانت عاصمة الصين لأكثر من ألف عام، قررت بناء نسختها الخاصة من "المدينة التي لا تنام".
تقام بانتظام في مدينة داتانغ إيفر برايت عروض استعراضية ملونة ومنظمة.
وتتوهج المنطقة بمعابدها الحمراء وإيقاعاتها الإلكترونية الصينية الصاخبة، في مشهد يجمع بين الماضي والحاضر بصورة غير مألوفة. وعلى امتداد شارع المشاة الذي يبلغ طوله 2،100 متر، يتوافد ما يقرب من 75 مليون زائر سنويًا. وبينما يأتي بعضهم بدافع الاهتمام بالتاريخ، ينجذب معظمهم إلى الحياة الليلية الصاخبة المغمورة بأضواء النيون.
وأحدث صيحات المكان اليوم إقامة حفلات الزفاف التي تحمل طابع "السفر عبر الزمن".
يقدم استوديو مستر تشو للزفاف في مدينة شيآن باقات فاخرة صُممت خصيصًا لتحقيق هذه الأحلام المستوحاة من التاريخ. وتبدأ التجربة بجلسة استشارية رسمية مع كاتب السيناريو، ثم يتعرف العروسان إلى المخرج، وخبراء التجميل، ومنسقي الأزياء، ومصوري الفيديو، إضافة إلى فريق كامل من الممثلين المشاركين في العمل.
ولإعادة تمثيل مراسم الزفاف الصينية التقليدية، يؤدي الممثلون طقوسًا متنوعة، فيقدمون الشاي وفق العادات القديمة، ويعزفون بالأبواق الاحتفالية، ويقدمون عرض رقصة الأسد، إحدى أشهر الفنون الشعبية الصينية.
مدينة كاشغر القديمة (شينجيانغ)
تمتد منطقة شينجيانغ في أقصى شمال غربي الصين من الصحارى المشتعلة في حوض تاريم إلى القمم الثلجية الشاهقة لجبال تيان شان، وقد شكّلت عبر التاريخ ملتقى مهمًا للتجارة والثقافات المختلفة.
وبفضل موقعها الاستراتيجي على طريق الحرير القديم، لعبت دورًا محوريًا في ربط الصين بآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا، ما جعلها منطقة غنية بالتنوع الثقافي والديني والعرقي.
وتضم شينجيانغ عددًا من الأقليات المسلمة في الصين، في مقدمتها قومية الإيغور، إلى جانب مجموعات أخرى مثل الكازاخ والهوي والقرغيز.
أما داخل الصين، فينظر كثيرون إلى شينجيانغ، لا سيّما من خارج الإقليم، باعتبارها أشبه بـ"الغرب المتوحّش" لما تتميّز به من طبيعة صحراوية شاسعة وثقافات مختلفة عن بقية البلاد.
وقد استغل المستثمرون الصينيون الإرث التاريخي لطريق الحرير لإعادة تسويق المنطقة باعتبارها "نافذة ملونة على العالم"، تجمع بين التاريخ والثقافة والطبيعة الخلابة. ويبدو أن هذه الاستراتيجية حققت نجاحًا كبيرًا؛ ففي عام 2025 استقبلت شينجيانغ نحو 323 مليون سائح، محققة إيرادات تجاوزت 53 مليار دولار أمريكي، وهو ما يعكس النمو المتزايد في قطاع السياحة.
وتعد مدينة كاشغر، الواحة التاريخية التي يزيد عمرها على ألفي عام، من أبرز الوجهات السياحية في المنطقة. إلا أن المدينة القديمة، التي أصبحت اليوم أهم معالمها السياحية، أثارت جدلًا واسعًا بعدما هُدمت أجزاء كبيرة منها ثم أُعيد بناؤها قبل أكثر من عقد.
ورغم احتفاظها بالأزقة المتعرجة والأسواق التقليدية التي تمنحها طابعًا تاريخيًا، يرى كثيرون أن كاشغر الحالية أصبحت نسخة حديثة ومنظمة بعناية، تختلف عن المدينة الأصلية التي كانت تمثل قلب الحياة الثقافية للإيغور.
وفي السنوات الأخيرة، ازدادت شعبية كاشغر أيضًا بين المسافرين الشباب الآتين من مختلف أنحاء العالم.
في النهاية، يبدو أن الآراء متباينة، إذ بينما يستمتع بعض الزوار بالهروب الذي هم في أمس الحاجة إليه والذي توفره وجهات "Fanggu" الصينية، يشعر آخرون بالإحباط من الصورة المصطنعة التي تُقدمها. لكن هناك أمر واحد واضح لا لبس فيه، وهو أن مواقع التواصل الاجتماعي تُحبها بشدة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي