خاص ICONNEWS
في السياسة، لا تُفتح أبواب التفاوض دائماً لمن يطلب الدخول إليها، بل كثيراً ما تُفتح لمن يصبح تجاهله أكثر كلفة من الجلوس معه.
من هنا تكتسب المعلومات المتداولة عن التحضير لاجتماع بين وفد أميركي ووفد من حزب الله في تركيا أهمية تتجاوز اللقاء نفسه. فإذا تأكد الاجتماع، فلن يكون مجرد محطة جديدة في سلسلة الاتصالات التي جرت خلال الفترة الماضية عبر الوسطاء، بل قد يشكل انتقالاً من التفاوض حول حزب الله إلى اختبار التفاوض معه مباشرة.
وحتى اللحظة، لم يصدر إعلان رسمي أميركي أو من حزب الله يثبت موعد الاجتماع أو مستوى المشاركين فيه، ولذلك تبقى المعلومة في إطار ما تنقله المصادر المطلعة، دون اعتبارها حقيقة دبلوماسية منجزة بعد.
لكن السياق الذي جاءت فيه يجعلها جديرة بالتوقف عندها طويلاً.
فالسفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى كان قد أعلن استعداد الولايات المتحدة للتفاوض مع حزب الله “إذا كان لديه شيء ليقدمه"، قبل أن يوضح لاحقاً أن التواصل يفترض أن يمر عبر الدولة اللبنانية. وفي موازاة ذلك، تحدثت تقارير عن رسائل وقنوات غير مباشرة عمل عليها وسطاء خلال الفترة الماضية.
إذاً، هناك باب يُختبر، ولو بقي موارباً.
لماذا تركيا؟
إذا صحت المعلومات، فإن اختيار تركيا ليس تفصيلاً بروتوكولياً.
أنقرة حليف لواشنطن وعضو في حلف شمال الأطلسي، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقنوات مفتوحة مع طهران وتملك قدرة على الحركة في أكثر من اتجاه إقليمي. وهذا يمنحها هامشاً لا يتوافر لكثير من العواصم عندما يتعلق الأمر بملف شديد الحساسية كالعلاقة بين الولايات المتحدة وحزب الله.
وقد يكون المطلوب في البداية أقل من مفاوضات رسمية وأكثر من جس نبض: ماذا يريد الأميركيون فعلاً؟ وما الذي يمكن للحزب مناقشته؟ وأين تقع الخطوط الحمراء للطرفين؟
لكن وراء هذه الأسئلة، سؤال لبناني أكبر بكثير.
بقدر ما تملك من قوة.. يكون مقعدك على الطاولة
في التفاوض، لا تكفي عدالة القضية وحدها، ولا تكفي البيانات والوعود والصداقات الدولية.
هناك قاعدة قاسية تحكم الطاولات الكبرى: بقدر ما تملك من أوراق تستطيع أن تفاوض، وبقدر قدرتك على التأثير في مصالح الطرف الآخر، يصبح هذا الأخير مضطراً إلى سماعك.
وهنا تكمن المفارقة اللبنانية.
ذهبت الحكومة إلى التفاوض وهي تراهن بصورة كبيرة على الوساطة الأميركية والضمانات الدولية، لكنها لم تدخل بمقاربة تقوم على تجميع أوراق القوة اللبنانية وتحويلها إلى عناصر ضغط ومقايضة. والنتيجة حتى الآن واضحة أمام اللبنانيين: جولات انعقدت، وشروط جديدة طُرحت، فيما لم يتحقق الانسحاب الكامل، ولم تتوقف الاعتداءات، ولم يُقفل ملف الأسرى.
المشكلة، إذاً، ليست في التفاوض ذاته. فالدول تفاوض أعداءها عندما تقتضي مصالحها ذلك.
المشكلة هي أن تدخل المفاوضات من دون استراتيجية متماسكة، ومن دون فريق يمتلك الخبرة الكافية في إدارة ملفات شديدة التعقيد، والأخطر أن تبدأ بالتخلي عن عناصر قوتك قبل أن تحصل على المقابل.
فالمفاوض المحترف لا يضع أوراقه على الطاولة مجاناً ثم يسأل خصمه ماذا سيمنحه في المقابل. إنه يعرف ما يملك، ويعرف ماذا يريد الطرف الآخر، ويحدد ما يمكن مبادلته وما لا يمكن المساس به، ثم يحتفظ بأوراقه حتى اللحظة التي يصبح فيها ثمن استخدامها مساوياً للمكسب الذي يريد انتزاعه.
المفارقة التي ينبغي أن تقلق بيروت
هنا يصبح المشهد شديد الدلالة.
الولايات المتحدة التي تطالب بنزع سلاح حزب الله، يظهر في خطاب بعض مسؤوليها اليوم استعداد لمناقشة إمكان التواصل معه.
لماذا؟
ليس لأن الخلاف معه انتهى، ولا لأن واشنطن تخلت عن موقفها من السلاح، بل لأن الحزب يمتلك قدرة فعلية على التأثير في أي تسوية لبنانية، ولأن أي اتفاق يتجاهل هذه الحقيقة قد يصطدم بها لاحقاً على الأرض.
وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تتوقف عندها الدولة طويلاً.
إذا كانت القوة التي تريد واشنطن انتزاعها من حزب الله هي نفسها أحد الأسباب التي تجعل تجاهله مستحيلاً، فهل من الحكمة أن يتخلى لبنان مسبقاً عن أوراقه ثم يذهب إلى المفاوضات طالبا من الآخرين أن يعيدوا إليه حقوقه؟
هذه ليست دعوة إلى الحرب، بل إلى فهم معنى التفاوض.
فورقة القوة لا تكون مفيدة فقط عندما تُستخدم عسكرياً. قيمتها الأكبر أحياناً أنها تمنع الحرب لأنها تجعل الطرف الآخر يعرف أن رفض التسوية له ثمن.
السؤال ليس: ماذا سيقدم حزب الله فقط؟
السفير الأميركي سأل، بمعنى كلامه، ماذا لدى حزب الله ليقدمه.
لكن التفاوض الحقيقي يعمل في الاتجاهين.
ماذا تستطيع واشنطن أن تقدم للبنان؟
هل تستطيع ضمان وقف الاعتداءات الإسرائيلية؟ هل تستطيع انتزاع انسحاب العدو الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة؟ هل تستطيع إعادة الأسرى اللبنانيين؟ وهل تستطيع توفير ضمانات تحول دون أن يصبح أي اتفاق مجرد هدنة تستخدمها إسرائيل قبل العودة إلى الحرب بشروط جديدة؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون في قلب أي قناة تُفتح.
لأن التفاوض الذي يبدأ بالسلاح وينتهي بالسلاح، فيما الاحتلال قائم والأرض تُقصف، ليس تسوية متوازنة.
أما إذا بدأ بوقف الاعتداءات، والانسحاب الكامل، وتحرير الأسرى، وتثبيت السيادة وعودة الأهالي وإطلاق الإعمار، فعندها يصبح ممكناً الانتقال إلى السؤال اللبناني الداخلي حول الاستراتيجية الدفاعية ومستقبل السلاح.
من يريد السلاح عليه أن يقدم الأمن والسيادة
وهذه قد تكون المعادلة الأكثر واقعية لأي تفاوض مقبل.
إذا كان المجتمع الدولي يريد من لبنان معالجة ملف سلاح المقاومة، فعليه أولاً أن يساعده على إزالة الأسباب التي تجعل هذا السلاح جزءاً من معادلة الصراع.
لا يمكن مطالبة اللبنانيين بمناقشة مستقبل قوتهم الدفاعية فيما جيش الاحتلال موجود على أرضهم. ولا يمكن طلب ضمانات لإسرائيل من لبنان فيما لا يحصل لبنان على ضمانة تمنع إسرائيل من الاعتداء عليه. ولا يستقيم أن يكون المطلوب من طرف لبناني تقديم تنازل قابل للقياس والتنفيذ فوراً، فيما يكون المقابل مجرد وعد سياسي مؤجل.
المعادلة التي يمكن البناء عليها مختلفة: أرض مقابل انسحاب، أسرى مقابل أسرى، وقف فعلي للاعتداءات مقابل ترتيبات أمنية متبادلة، ثم حوار لبناني جدي حول استراتيجية دفاعية تكون الدولة مرجعيتها.
عندها فقط تصبح المفاوضات عملية تبادل مصالح، لا لائحة مطالب من طرف واحد.
اختبار تركيا
إذا انعقد لقاء تركيا، فلا ينبغي انتظار اتفاق تاريخي من الجلسة الأولى.
الأهم سيكون معرفة ما إذا كانت واشنطن قد بدأت فعلاً اختبار مقاربة مختلفة: التعامل مع حزب الله باعتباره طرفاً لا يمكن حل ملفه بالتفاوض عنه فقط.
وهنا أيضاً ستكون مسؤولية الحزب كبيرة، لأن امتلاك أوراق القوة شيء، والقدرة على تحويلها إلى مكاسب وطنية شيء آخر.
القوة التي لا تتحول في اللحظة المناسبة إلى سياسة قد تُستنزف، كما أن السياسة التي تدخل بلا قوة قد تتحول إلى استجداء.
والدولة الناجحة هي التي تعرف كيف تجمع الاثنين: قوة تحمي المفاوض، ومفاوض يعرف متى وكيف يستثمر القوة.
هذه هي المسألة التي غابت طويلاً عن النقاش اللبناني.
ليست القضية الاختيار بين الحرب والتفاوض، وكأنهما نقيضان مطلقان. القضية هي بأي شروط نتفاوض، ومن أي موقع، وبأي أوراق، ومن يمسك بها عندما تبدأ المساومة الحقيقية.
فالمفاوضات ليست حفلاً لتبادل النيات الحسنة، والطاولات الدولية لا تمنح الحقوق لمجرد أن أصحابها محقون. إنها المكان الذي تُترجم فيه موازين القوة إلى مكاسب سياسية.
ولهذا، إذا صحت معلومات اللقاء الأميركي مع حزب الله في تركيا، فقد تحمل المفارقة الأبلغ في المشهد كله: بينما ذهب لبنان إلى جولات تفاوض وهو يراهن على الخارج أكثر مما يراهن على أوراقه، قد يكون الخارج نفسه قد بدأ يبحث عن صاحب الورقة التي أراد من لبنان التخلص منها.
وهنا يصبح الدرس أكبر من حزب الله وأميركا وتركيا: لا تذهب إلى طاولة التفاوض عارياً، ولا تتخلَّ عن أوراقك قبل أن تعرف ثمنها. ففي السياسة، بقدر ما تملك من قوة يكون صوتك مسموعاً، وبقدر ما تحسن استثمارها تستطيع أن تعود من الطاولة بحقوق، لا بمجموعة جديدة من الشروط.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :