ايكون نيوز
د. رشا أبو حيدر
لا تحتاج إسرائيل، لكي تغيّر حدود الواقع، أن تعلن رسميًا رسم حدود جديدة. يكفي أن تتقدم عسكريًا، وأن تنشئ منطقة عازلة أو أمنية، وأن تفرض واقعًا جديدًا على الأرض، ثم تؤجل الانسحاب أو تربطه بشروط سياسية وأمنية جديدة.
هنا يمكن فهم ما بات يُسمّى "سياسة القضم": توسيع السيطرة تدريجيًا عبر صناعة وقائع ميدانية متراكمة، تجعل كل خطوة جديدة نقطة انطلاق للخطوة التالية.
وليس المطلوب القول إن كل تحرك إسرائيلي جزء من خطة واحدة محكمة؛ فالحسابات العسكرية والسياسية تختلف من جبهة إلى أخرى. لكن تراكم الخطوات قد ينتج نتيجة واحدة: اتساع نطاق السيطرة وتحول المؤقت إلى واقع طويل الأمد.
وفي لبنان، تبدو المسألة أكثر حساسية، فما يجري في الجنوب لا يتعلق فقط بعملية عسكرية عابرة، بل بوجود إسرائيلي داخل أراضٍ لبنانية، وبمناطق عازلة، وبمفاوضات أصبح الانسحاب خلالها موضوعًا قائمًا بذاته.
وهنا تكمن خطورة المعادلة: الانسحاب الذي يفترض أن يكون نتيجة لانتهاء الأعمال العدائية يتحول إلى ورقة تفاوضية، والأرض التي يفترض أن تعود إلى سيادة لبنان تصبح موضوعًا للمساومة. فالقرار 1701 يقوم على وقف الأعمال العدائية واحترام الخط الأزرق وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية وانتشار الجيش في الجنوب. ومن ثم، فإن أي منطقة أمنية تُنشأ داخل الأراضي اللبنانية لا يمكن أن تتحول تلقائيًا إلى حدود جديدة لمجرد أن القوة العسكرية فرضتها على الأرض.
القاعدة الأساسية في القانون الدولي هي: "الأمن لا يمنح السيادة"، وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024، المتعلق بالأرض الفلسطينية المحتلة، أن حظر اكتساب الأراضي بالقوة مبدأ أساسي في القانون الدولي. ولا يعني ذلك أن الرأي حكم خاص بلبنان، وإنما يؤكد مبدأ عامًا: القوة العسكرية لا تنشئ حقًا في الإقليم.
وهنا تظهر خطورة "القضم"، فالضم الصريح يعلن نفسه، أما القضم فيبدأ غالبًا بعنوان أكثر قابلية للتسويق: "إجراء أمني مؤقت". ثم تأتي المنطقة العازلة، والوجود العسكري، وتقييد العودة أو الحركة، ثم المفاوضات. ومع كل مرحلة يصبح الواقع الجديد نقطة البداية للمرحلة التالية. وهكذا قد لا تتغير الحدود على الخريطة، لكنها تتغير في موازين التفاوض.
ولبنان يعرف هذه المعادلة جيدًا. فقد أقامت إسرائيل سابقًا ما عُرف بالحزام الأمني في جنوب لبنان، واستمر وجودها العسكري سنوات طويلة قبل الانسحاب عام 2000.
لذلك، فإن أي منطقة أمنية جديدة تحتاج إلى أكثر من التصريحات: ضمانات للانسحاب، وآلية واضحة للتنفيذ، ومرجعية قانونية، ورقابة دولية، ورفض لتحويل الأمر الواقع إلى وضع دائم.
ولا تتوقف المسألة عند لبنان. ففي سوريا أيضًا برزت مناطق عازلة ووجود عسكري إسرائيلي، فيما تتداخل في غزة والضفة الغربية السيطرة العسكرية مع إعادة تشكيل الوقائع الجغرافية بدرجات مختلفة. وهنا تصبح الصورة الإقليمية أكثر وضوحًا: حدود لا تتغير بقرار رسمي، وإنما تتآكل تحت وطأة الوقائع.
والخطر الحقيقي ليس في الكيلومتر الذي يُحتل اليوم فقط، بل في أن يتحول إلى ورقة تفاوضية تبرر كيلومترًا جديدًا غدًا. فبمجرد أن يصبح السؤال "متى ستنسحب؟" بدل "بأي حق بقيت؟"، تكون المعادلة قد تغيرت: انتقل النقاش من شرعية الوجود إلى شروط الانسحاب.
ولهذا فإن مواجهة سياسة القضم لا تكون فقط بمنع الكيلومتر الثاني بعد الأول، بل بمنع تحويل الكيلومتر الأول إلى حق تفاوضي مكتسب. فالأرض المحتلة لا تصبح أقل احتلالًا لأنها بقيت تحت السيطرة فترة أطول، والمنطقة العازلة لا تصبح حدودًا لأنها رُسمت على خريطة عسكرية. ان المعركة، في النهاية، ليست على الخريطة وحدها، بل على من يملك حق رسمها. هل ترسمها الاتفاقات والقواعد الدولية؟ أم ترسمها الدبابات، ثم تأتي السياسة لتبحث عن صيغة للتعامل معها؟
إذا انتصر الخيار الثاني، فلن تكون المشكلة في حدود لبنان وحده، بل في قاعدة أخطر: من يملك القوة يستطيع أن يدفع الحدود إلى حيث يريد، ثم ينتظر من السياسة أن تلحق به، لأن الحدود ليست خطوطًا قابلة للمضغ، والسيادة ليست منطقة عازلة، والاحتلال ليس ورقة تفاوض.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :