خاص ايكون نيوز
تدخل العلاقة بين حزب الله والولايات المتحدة مرحلة شديدة الحساسية، بعدما انتقل الحديث عن إمكان التواصل بين الطرفين من دائرة التسريبات السياسية إلى تصريحات أميركية علنية فتحت الباب أمام سيناريو كان حتى وقت قريب يبدو بعيداً.
وفي قراءة لافتة للمشهد، يطرح ضياء أبو طعام ملف التفاوض بين الحزب وواشنطن من زاوية تتجاوز السؤال التقليدي: هل يحصل التواصل أم لا؟ إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بالظروف التي قد تدفع الطرفين إليه، وبالتحولات الجارية داخل البيئة الشعبية للحزب وفي المشهد اللبناني عموماً.
العنوان الأكثر حساسية في هذه المقاربة هو «غضب البيئة». فالجمهور الذي تحمل أعباء الحرب والدمار والشهداء والتهجير، وخصوصاً في الجنوب والبقاع والضاحية، ينتظر نتائج سياسية توازي حجم التضحيات، فيما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية وتتأخر إعادة الإعمار وتتراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا يصبح السؤال: إلى متى يمكن احتواء هذا الاحتقان؟
المفارقة أن الحزب، إذا وصل هذا الغضب إلى لحظة الانفجار السياسي والاجتماعي، قد يجد نفسه أمام ضرورة قيادة هذا المزاج بدلاً من تركه يتحول إلى حالة عشوائية أو تستثمرها أطراف أخرى. فالمشكلة بالنسبة إلى بيئته لم تعد مرتبطة بالسلاح وحده، بل بما تعتبره غياباً لمقابل حقيقي عن كل ما طُلب منها تحمله.
وفي موازاة ذلك، بدأت واشنطن تستخدم لغة مختلفة.
السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى أعلن أن إمكان التفاوض مع حزب الله وارد «إذا كان لديه شيء ليقدمه»، في تطور يأتي بعد أشهر من الإشارات والتسريبات عن قنوات أو رسائل غير مباشرة بين الجانبين. وفي المقابل، تشير معلومات منشورة اليوم إلى أن الحزب لم يتخذ قراراً بالتفاوض المباشر، وأن المعطيات المتوافرة لديه لا تزال غير ملائمة، ولا سيما في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والعقوبات والسياسة الأميركية تجاهه.
وهنا تكمن العقدة.
واشنطن تريد أن يكون السلاح مدخل التفاوض، بينما ينطلق الحزب من معادلة معاكسة: ماذا سيحصل للاحتلال والاعتداءات والأسرى والأراضي اللبنانية وإعادة الإعمار والضمانات الأمنية إذا دخل في أي تسوية؟
وتفيد معلومات أخرى منشورة اليوم بأن الجانب الأميركي بعث في مراحل مختلفة بإشارات لفتح نافذة مع الحزب، لكن الحزب لم يتلقفها، فيما دخل الموضوع في نقاشاته الداخلية من دون أن يتحول حتى الآن إلى قرار بالتواصل. كما تربط المصادر أي تحول في الموقف بتغيير أميركي فعلي في السلوك، لا بمجرد رسائل سياسية.
وهذا تحديداً ما يجعل الملف أكبر من قصة «تفاوض سري».
فالولايات المتحدة التي راهنت طويلاً على أن الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي سيقود إلى فرض تسوية على الحزب، تجد نفسها أمام حقيقة لبنانية يصعب تجاوزها: أي اتفاق يتعلق بمستقبل الجنوب أو سلاح المقاومة أو الترتيبات الأمنية لا يمكن تطبيقه عملياً إذا كان الطرف المعني الأساسي خارج المعادلة.
أما الحزب، فمن جهته، فقد يكون أمام مرحلة جديدة من إدارة الصراع؛ مرحلة لا تعني التخلي عن أوراق القوة، بقدر ما تعني البحث عن كيفية تحويلها إلى أثمان سياسية وأمنية واضحة إذا فُتح باب التفاوض فعلاً.
لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: هل تفاوض أميركا حزب الله؟
السؤال الأخطر هو: ماذا ستقدم واشنطن إذا أرادت من الحزب أن يقدم شيئاً؟
فالتفاوض الحقيقي لا يقوم على أن يدخل طرف حاملاً مطالبه، فيما يدخل الآخر مطالباً بتقديم أوراقه مجاناً.
وبين ضغط الميدان، وغضب البيئة، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، والحراك الأميركي المتزايد، يبدو أن لبنان يقترب من مرحلة قد يعاد خلالها رسم قواعد اللعبة.
وإذا تحولت الإشارات الحالية إلى مسار تفاوضي فعلي، فقد نكون أمام واحدة من أكثر المفارقات السياسية دلالة: بعد سنوات من الحديث عن عزل الحزب وإضعافه وإخراجه من المعادلة، قد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى البحث معه عن الطاولة التي ستُرسم فوقها التسوية.
والأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت النافذة المفتوحة اليوم مجرد مناورة لزيادة الضغط، أم بداية انتقال حقيقي من محاولة فرض الشروط على الحزب إلى التفاوض معه عليها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :