ايكون نيوز
د. رشا أبو حيدر
إذا صحّت المعلومات المتداولة عن احتمال طرح ملف توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان خلال المفاوضات المقبلة، فإن المسألة لا تعود مجرد مناورة تفاوضية أو محاولة لإعادة فتح ملفات خلافية قديمة، بل تضع الدولة اللبنانية أمام سؤال أكثر دقة وخطورة: ما حدود ما تملك السلطة اللبنانية حقّ التفاوض عليه؟
فالتوطين ليس ملفاً عادياً يمكن وضعه إلى جانب الملفات الأمنية أو الحدودية أو الاقتصادية، ثم البحث عن ثمن مناسب له. فقد حسم الدستور اللبناني موقف الدولة منه بوضوح، إذ نصّت مقدمة الدستور على أن «لا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين». ومن ثم، فإن التعامل مع التوطين يختلف جوهرياً عن التفاوض حول قضية سياسية أو تقنية قابلة للتسوية.
لكن هنا يجب التمييز بين أمرين: طرح الموضوع للنقاش، والالتزام بنتيجة تخالف الدستور. فليس كل ما يُطرح على طاولة المفاوضات يصبح تلقائياً التزاماً على الدولة، وليس مجرد الاستماع إلى مطلب خارجي تنازلاً عنه. إلّا أن الخطورة تبدأ عندما ينتقل الملف من مجرد طرح مرفوض إلى البحث في شروطه أو مقايضاته أو آليات تنفيذه. وهذه هي النقطة التي تستوجب من السلطة اللبنانية أعلى درجات الوضوح.
فالتفاوض الناجح لا يعني قبول كل ما يُطرح ثم محاولة تخفيف آثاره، وإنما يعني أيضاً تحديد حدود التفاوض قبل الدخول فيه. والدولة التي لا تعرف ما الذي تملك حق التفاوض عليه، قد تجد نفسها تدريجياً تفاوض على ما لا تملك صلاحية الالتزام به أو التنازل عنه.
ومن هنا، فإن رفض التوطين لا ينبغي أن يُقدَّم بوصفه موقفاً سياسياً عابراً لحكومة أو فريق، بل بوصفه مبدأ دستورياً يحكم الدولة اللبنانية. وهذا لا يتعارض إطلاقاً مع احترام حقوق اللاجئين الفلسطينيين أو التمسّك بحقهم في العودة؛ فهناك فارق جوهري بين حماية حقوق الإنسان للاجئ وبين تحويل اللجوء إلى استقرار دائم على أساس التوطين.
بل إن الجمع بين الأمرين هو الموقف الأكثر اتزاناً: لبنان يحمي الحقوق الإنسانية والقانونية للفلسطينيين، ويتمسّك في الوقت نفسه برفض التوطين وبحق العودة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الوفد الآخر سيضع التوطين على الطاولة؛ فالطرف الآخر يستطيع أن يطرح ما يشاء. السؤال هو: كيف ستتعامل الدولة اللبنانية مع طرح تعرف مسبقاً أن الدستور رسم له حداً واضحاً؟ هنا تُقاس صلابة الدولة.
فإذا أصبح كل مبدأ دستوري قابلاً لإعادة البحث كلما تبدّلت الظروف السياسية، فلن يبقى للدستور سوى قيمته النظرية. أما إذا كانت السلطة تعرف أن بعض المسائل يمكن التفاوض حولها، فيما توجد مسائل أخرى يشكل الدستور بشأنها سقفاً لا يجوز تجاوزه، فإنها تكون قد حددت منذ البداية قواعد اللعبة بدل أن تترك للآخرين تحديدها عنها.
التوطين، في هذه الحالة، ليس مجرد ملف إضافي على طاولة التفاوض، إنه اختبار لمدى احترام السلطة للدستور، ولمدى قدرتها على الفصل بين ما يمكن التفاوض عليه وما لا تملك أصلاً صلاحية الالتزام به أو التنازل عنه.
وقد يكون أخطر ما في طرح التوطين ليس أن يُطرح، بل أن يتحول، مع الوقت، من خط دستوري أحمر إلى بند تفاوضي، وعندها لا يعود السؤال: ماذا سيطلب الآخرون من لبنان؟ بل يصبح السؤال الأهم:
هل تعرف الدولة اللبنانية أين تنتهي صلاحيات التفاوض، وأين يبدأ الدستور؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :