ايكون نيوز
هرمز بين الممر العُماني والقبضة الإيرانية.. هل بدأت معركة «من يحكم المضيق»؟
لم يعد الصراع في مضيق هرمز يدور فقط حول إغلاقه أو فتحه. التطورات الأخيرة تكشف انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيدًا: من يضع قواعد المرور في أهم شريان نفطي في العالم؟
فبينما تضغط واشنطن اقتصاديًا على طهران، تحاول إيران تثبيت واقع جديد يمنحها دورًا مباشرًا في تنظيم الملاحة والخدمات الأمنية، في حين دخلت عُمان بقوة على خط الوساطة لإيجاد مخرج يعيد جزءًا من حركة السفن من دون تفجير مواجهة عسكرية جديدة.
اختراق إيراني عُماني
التطور الأهم جاء من طهران، حيث بحث وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي إطارًا لإنشاء ممر ملاحي مشترك ومؤقت عبر مضيق هرمز.
البيان المشترك تحدث أيضًا عن إزالة الألغام، على أن تستمر المفاوضات الفنية للوصول لاحقًا إلى ممر دائم، إلى جانب وضع آليات لإدارة حركة السفن وتبادل المعلومات وتوفير الخدمات الملاحية والأمنية.
وقال البوسعيدي إنه يأمل الإعلان قريبًا عن الممر المؤقت والترتيبات العملية لاستعادة الملاحة الآمنة.
وهذا ليس تفصيلًا صغيرًا.
إذا نجحت المبادرة، ستكون أول خطوة عملية منذ أسابيع لإعادة تنظيم حركة السفن عبر المضيق، لكنها لا تعني حتى الآن عودة هرمز إلى وضعه الطبيعي.
خمس سفن فقط
الأرقام تكشف حجم الأزمة.
بيانات Kpler الأولية أظهرت أن خمس سفن سلع فقط عبرت المضيق الثلاثاء، مقابل متوسط عشرة أيام يبلغ نحو 15 سفينة. وفي اليوم السابق لم يتجاوز العدد أربع سفن. كما أن هذه البيانات قد تتغير لأن بعض السفن توقف أجهزة التعريف أثناء العبور.
وتشير بيانات أخرى إلى أن الحركة في بعض الفترات هبطت إلى جزء ضئيل جدًا من مستويات ما قبل الحرب.
أي أن هرمز لم يعد يعمل بوصفه الشريان المفتوح الذي عرفه العالم قبل الأزمة.
إيران تضع 45 ناقلة على اللائحة السوداء
وفي موازاة التفاوض، أرسلت طهران رسالة شديدة اللهجة إلى شركات الشحن.
إيران أعلنت إدراج 45 ناقلة على قائمة سوداء بتهمة مخالفة قواعدها للعبور، وهددت السفن المدرجة بالغرامة أو الاحتجاز ومصادرة الحمولة، كما حذرت السفن الأخرى من التعامل معها في عمليات نقل الشحنات.
وتتولى هيئة إيرانية جديدة تحمل اسم «سلطة مضيق الخليج الفارسي» إدارة هذه الإجراءات، بحسب رويترز.
والأخطر أن تحليلًا للائحة وجد أن 14 من السفن الـ45 سبق أن تعرضت لأضرار في حوادث بالمنطقة، صنفتها هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية على أنها هجمات، من دون أن تنسب المسؤولية عنها إلى جهة بعينها.
رسوم على السفن.. لكن ليس «رسم عبور» ببساطة
الجبهة الثانية تتحرك داخل البرلمان الإيراني.
لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية وافقت على مادة تسمح بفرض رسوم على السفن التابعة للدول المسموح لها بالمرور، مقابل خدمات مثل الملاحة والأمن والبيئة والتأمين والوقود في حالات محددة. المشروع لم يصبح قانونًا نهائيًا بعد.
وهنا يجب التدقيق: طهران تقدم الأمر باعتباره رسومًا مقابل خدمات وليس ضريبة مباشرة على مجرد المرور.
لكن سياسيًا، الرسالة واضحة: إيران تريد أن يكون المرور عبر هرمز مرتبطًا بدرجة أكبر بسلطتها التنظيمية والأمنية.
وهذا تحديدًا ما ترفضه الولايات المتحدة ودول غربية تعتبر المضيق ممرًا دوليًا يجب أن تبقى حرية العبور فيه مصونة.
واشنطن أزالت الألغام.. لكن المشكلة لم تنته
وفي تطور موازٍ، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الألغام أُزيلت من الممر الملاحي الرئيسي في هرمز، فيما أكد مسؤولان أميركيان إزالة الألغام وفق تقرير نشره Axios.
لكن إزالة الألغام، حتى إذا اكتملت في الممر الرئيسي، لا تحل وحدها أزمة الملاحة.
السفن وشركات التأمين لا تنظر إلى الألغام فقط؛ بل إلى احتمالات الاحتجاز والهجمات والتصعيد العسكري وشروط المرور والعقوبات الأميركية.
وهذا يفسر لماذا بقيت الحركة منخفضة رغم الحديث عن تطهير الممر.
النفط يلتقط إشارة التفاوض
الأسواق التقطت سريعًا خبر الوساطة العُمانية.
أسعار النفط تراجعت اليوم مع ارتفاع الآمال في أن يسمح الاتفاق المؤقت بزيادة حركة السفن، لكن المحللين يحذرون من أن اتفاقًا بين إيران وعُمان وحدهما قد لا يكون كافيًا لإعادة تدفقات النفط إلى طبيعتها ما لم تترافق الخطوة مع تسوية أوسع تشمل واشنطن والعقوبات والموانئ الإيرانية.
وهنا تكمن المفارقة.
إيران تحتاج إلى تصدير النفط والحصول على الإيرادات، لكنها في الوقت نفسه تعتبر السيطرة على هرمز إحدى أهم أوراق قوتها في مواجهة الضغط الأميركي.
واشنطن تضرب من بوابة الاقتصاد
المواجهة العسكرية المباشرة هدأت نسبيًا، لكن الحرب انتقلت بقوة إلى الاقتصاد.
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أعلن أن واشنطن تتجه إلى فرض ما وصفه بـ«أقسى العقوبات في التاريخ» على إيران، مع استهداف شبكات التجارة والدول والجهات التي تساعد طهران على الالتفاف على الضغط الأميركي.
وبذلك أصبحت المعادلة شديدة الخطورة:
واشنطن تحاول خنق قدرة إيران على التجارة.
وطهران تملك ورقة يمكنها من خلالها رفع كلفة تجارة الطاقة للعالم كله.
وفي المنتصف توجد دول الخليج وناقلات النفط وشركات التأمين والاقتصاد العالمي.
هرمز لم يعد مجرد مضيق
المعركة الحقيقية اليوم ليست حول بضعة كيلومترات من المياه.
إيران تحاول تحويل موقعها الجغرافي إلى سلطة سياسية واقتصادية: تحديد من يمر، وتحت أي شروط، وما الخدمات التي يدفع مقابلها.
أما الولايات المتحدة فتريد تثبيت مبدأ أن هرمز ممر دولي لا تستطيع طهران تحويله إلى بوابة تخضع لإذنها.
وعُمان تحاول إيجاد المنطقة الوسطى: ممر يعمل، سفن تعبر، وضمانات تمنع الطرفين من العودة إلى النار.
الخلاصة
حتى صباح الأربعاء 26 آب، يمكن اختصار المشهد بثلاث كلمات:
المضيق لم يُفتح.
لكن بابًا للتسوية فُتح.
الممر الإيراني العُماني المؤقت هو أهم تطور دبلوماسي في الملف خلال الأسابيع الأخيرة، إلا أن وضع 45 ناقلة على القائمة السوداء، ومشروع رسوم الخدمات، والعقوبات الأميركية الجديدة، واستمرار الانخفاض الحاد في حركة السفن، كلها تؤكد أن الأزمة لم تُحل.
والمواجهة المقبلة قد لا تكون حول سؤال: هل تستطيع إيران إغلاق هرمز؟
بل حول سؤال أخطر بكثير:
هل تستطيع طهران فرض نفسها بوصفها صاحبة الكلمة في تحديد قواعد المرور عبره؟
إذا نجحت في ذلك، فإن ما يجري لن يكون مجرد أزمة ملاحة عابرة، بل محاولة لإعادة كتابة قواعد القوة في الخليج.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :