خاص ICONNEWS
لم يعد المشهد في جنوب لبنان يحتمل التأويلات الغامضة. فالعدو الإسرائيلي لا يكتفي بضرب أهداف متفرقة، بل يعمل وفق مخطط مدروس لإعادة رسم خرائط الجنوب بالقوة، مستخدماً قصفه العشوائي وتفجيره للمنازل كأدوات لإرهاب السكان وفرض واقع جديد يتجاهل فيه كل القوانين الدولية وكل الاتفاقات الموقعة.
بينما تتحرك الدبلوماسية في عواصم العالم لمحاولة تثبيت التهدئة، يواصل الاحتلال سياسة "التصعيد المتدرج" في الميدان. الغارات ليست عشوائية، والتفجيرات ليست مجرد دمار؛ إنها محاولة لخلق بيئة خانقة تدفع الأهالي إلى النزوح مجدداً، وتتيح للعدو تثبيت نقاط تمركز جديدة دون مقاومة شعبية أو عسكرية فورية.
علي الطاهر: جسر العبور نحو احتلال أعمق
لم تعد مرتفعات علي الطاهر مجرد نقطة نزاع عابر. لقد تحولت إلى محور استراتيجي يسعى الاحتلال للسيطرة عليه بالكامل، ليس فقط لأهميته العسكرية في مراقبة النبطية وإقليم التفاح، بل لأنه يمثل بوابة العبور لتوسيع نطاق الاحتلال شمالاً وغرباً.
ادعاءات جيش الاحتلال بالسيطرة الكاملة على التلة كانت كاذبة ومكشوفة أمام أعين الجميع، حيث أثبتت المعطيات الميدانية أن المقاومة ما زالت تسيطر على زمام الأمور هناك. لكن هذا لم يمنع العدو من تكثيف غاراته ونسف منشآت المنطقة، في محاولة لعزل التلة وقطع خطوط الإمداد عنها، تمهيداً لعملية برية مكلفة قد يدفع ثمنها جنود الاحتلال أنفسهم.
المقاومة تثبت أنها صاحبة الكلمة الأخيرة
في مواجهة هذا الضغط الهائل، أظهرت المقاومة اللبنانية مرونة قتالية عالية وقدرة على إدارة المواجهة. فلم تسمح إسرائيل بتحقيق أي تقدم بري ملموس، وواصلت ضرب قوات الاحتلال الهندسية والاستطلاعية، مما أجبر العدو على الاكتفاء بالنار الجوية بعيد المدى بدلاً من المخاطرة بتوغل بري واسع.
هذا الصمود الميداني هو الذي يمنح لبنان أوراق قوة حقيقية في المفاوضات. فالمقاومة ليست مجرد قوة عسكرية، بل هي الضامن الأساسي لعدم نجاح مخططات التهجير والاحتلال. وبدون وجودها الفاعل، كان العدو قد حقق اختراقات أوسع بكثير في الأشهر الماضية.
الجيش اللبناني: سيادة تحت النار
أما الجيش اللبناني، فهو يواجه تحدياً مزدوجاً: حماية السيادة الوطنية في ظل استمرار العدوان، والحفاظ على تماسكه الداخلي رغم نقص الإمكانيات مقارنة بجيش إسرائيلي مدعوم عالمياً.
انتشار الجيش في كفرتبنيت والنبطية الفوقا رسالة واضحة للعالم وللاحتلال: الدولة موجودة، وسيادتها لا تقبل المساومة. لكن يجب ألا يُحمَّل الجيش لوحده عبء مواجهة آلة حربية ضخمة. دعم الجيش وتمكينه من أداء مهامه يتطلب أولاً وأخيراً وقف العدوان الإسرائيلي الكامل والانسحاب من كافة الأراضي المحتلة.
الإبادة الثقافية والجغرافية: تفجير المعالم والمنشآت
من أبشع ممارسات الاحتلال الحالية هو الاستهداف المتعمد للمنشآت الدينية والثقافية والأثرية، مثل مقام "الولي علي الطاهر". هذا ليس خطأً عسكرياً، بل هو حملة منهجية لمحو الذاكرة التاريخية للبنانيين وقطع صلتهم بأرضهم.
كل منزل يُفجر، وكل شجرة تُقطع، وكل معلم تاريخي يُدمر، هو جزء من استراتيجية "الأرض المحروقة" التي تهدف إلى جعل الجنوب منطقة غير صالحة للسكن، وبالتالي إجبار أهلها على مغادرة أرضهم نهائياً. هذا النوع من الجرائم يستوجب محاسبة دولية عاجلة، وليس مجرد إدانات كلامية.
عودة الأهالي: انتصار إرادة الحياة
وسط هذا القصف الوحشي، تأتي أخبار عودة أهالي زوطر الغربية وغيرها من القرى لتكون شهادة على إصرار اللبنانيين على البقاء في أرضهم. هذه العودة ليست مجرد حركة سكانية، بل هي ضربة قاصمة لمخططات التهجير الإسرائيلية.
كل بيت يُعاد بناؤه، وكل طفل يعود إلى مدرسته، وكل شيخ يجلس على رصيف بيته القديم، هو إعلان فشل تام لاستراتيجية "النزوح الدائم" التي يعتمد عليها الاحتلال.
هل نحن على وشك حرب شاملة؟
لا يمكن الجزم بتوقيت هجوم إسرائيلي واسع، لكن المؤشرات خطيرة. العدو يحاول تحسين شروطه العسكرية قبل الدخول في أي تسوية سياسية، عبر اختبار حدود رد الفعل اللبناني والدولي.
إذا نجح في فرض وقائع جديدة على الأرض (مثل السيطرة الفعلية على أجزاء من علي الطاهر أو تدمير قرى كاملة)، فإنه سيحاول لاحقاً تحويل هذه الوقائع إلى "حقائق ثابتة" في طاولة المفاوضات. لهذا السبب، فإن التصدي لهذه المحاولات الآن هو الأهم.
لا مساومة على السيادة
الجنوب اليوم يعيش حالة حرب دائمة منخفضة الحدة، لكنها قد تنفجر في أي لحظة إذا تجاوز الاحتلال الخط الأحمر. المطلوب من المجتمع الدولي ليس فقط الدعوة لوقف إطلاق النار، بل ضمان انسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط.
أما بالنسبة للبنان، فالمعادلة واضحة: إما أن ندافع عن أرضنا بسيادة حقيقية ومقاومة صلبة وجيش قوي مدعوم شعبياً، أو سنجد أنفسنا أمام خريطة جديدة يرسمها المحتلون بالقوة.
والرسالة الأهم اليوم هي أن الجنوب لن يكون ساحة تجارب عسكرية لإسرائيل، ولن تكون أرضنا مادة للتفاوض على حساب سيادتنا وكرامة أبناءنا.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :