خاص iconnews
في لبنان، ليست المشكلة دائماً في الكلام، بل في هوية من يقوله.
جملة واحدة قد تتحول إلى قضية وطنية إذا خرجت من فم خصم سياسي، وقد تمرّ بهدوء لافت إذا جاءت من مسؤول غربي أو مبعوث أميركي. وبين الحالتين، تضيع أحياناً الحدود الفاصلة بين السيادة بوصفها مبدأً، والسيادة بوصفها أداة في الصراع السياسي.
من هنا تتجاوز أهمية كلام المبعوث الأميركي توم برّاك عن إشراك حزب الله وإيران في أي عملية تفاوضية فاعلة مضمون التصريح نفسه. فهو وضع، بقصد أو من دون قصد، جزءاً أساسياً من الخطاب السياسي اللبناني أمام امتحان شديد الإحراج.
فأين الذين جعلوا من «السيادة» عنواناً يومياً لمعركتهم؟
وأين الأصوات التي كانت تستنفر عند كل حديث عن دور لحزب الله في الملفات الاستراتيجية، وتعتبر مجرد الإقرار بوجود إيران في معادلات المنطقة انتقاصاً من استقلال القرار اللبناني؟
برّاك لم يتحدث من الضاحية الجنوبية، ولم يكن يقرأ بياناً إيرانياً، ولم يصدر موقفه عن مسؤول في حزب الله.
الكلام جاء من مسؤول أميركي.
وهنا تحديداً تبدأ المفارقة.
فالذين لا يترددون في رفع السقف إلى أقصاه عندما يكون الطرف المقابل داخلياً، بدوا أقل اندفاعاً عندما جاءت العبارة من الجهة التي طالما اعتُبرت مرجعية دولية لمسار سياسي كامل في لبنان.
وكأن السيادة تحتاج، قبل الدفاع عنها، إلى معرفة هوية المتحدث.
هذه ليست مسألة لغوية ولا تفصيلاً عابراً. إنها تمس جوهر النقاش الذي أُدير في لبنان طوال المرحلة الماضية.
لقد قيل للبنانيين مراراً إن الطريق إلى استعادة الدولة يمر عبر إخراج حزب الله من المعادلات الإقليمية، وإن لبنان قادر على فصل ملفه عن إيران، وإن الترتيبات الكبرى يمكن أن تُصنع بعيداً عن القوى التي تمتلك تأثيراً فعلياً في الميدان والسياسة.
ثم يأتي مسؤول أميركي ليضع أمام الجميع حقيقة مختلفة وأكثر براغماتية: عندما تبدأ المفاوضات الجدية، لا تكفي الأمنيات، ولا تُدار الطاولة وفق الشعارات، بل وفق موازين القوى ومن يملك القدرة على التأثير في النتائج.
يمكن الاختلاف جذرياً مع حزب الله. ويمكن رفض سياساته أو سلاحه أو خياراته الإقليمية. لكن السياسة ليست مسابقة في تسجيل المواقف، والتفاوض لا يجري مع الأطراف التي نحبها فقط، بل كثيراً ما يبدأ تحديداً مع الأطراف التي نختلف معها.
وهذه أبجدية تعرفها واشنطن أكثر من غيرها.
فالولايات المتحدة التي تخوض أشد المواجهات مع خصومها لم تتوقف تاريخياً عن التفاوض معهم عندما تقتضي مصالحها ذلك. السياسة الدولية لا تقوم على إلغاء الخصم من الخريطة، بل على معرفة حجمه والبحث عن نقطة يمكن عندها تحويل القوة المتقابلة إلى تسوية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً للخطاب اللبناني:
إذا كانت واشنطن نفسها ترى أن الوصول إلى تفاوض فاعل قد يستوجب إشراك من يملك القدرة على التأثير، فبأي منطق يُطلب من لبنان أن يتصرف وكأن هؤلاء غير موجودين؟
لكن الأهم من ذلك كله هو سؤال السيادة.
السيادة ليست موقفاً انتقائياً.
لا يمكن أن تصبح مقدسة عندما يكون التدخل إيرانياً، ثم تتحول إلى مفهوم مرن عندما يكون الضغط أميركياً أو غربياً. ولا تستقيم دولة تعتبر الإملاء مرفوضاً وفق جواز سفر صاحبه ومقبولاً وفق جواز سفر آخر.
إما أن يكون القرار اللبناني مستقلاً تجاه الجميع، وإما أن تتحول «السيادة» إلى واحدة من أكثر الكلمات استخداماً وأقلها معنى.
وهذا تحديداً ما كشفه كلام برّاك.
فالصمت الذي أعقبه في بعض الأوساط أكثر دلالة من عشرات البيانات. لأن الذين كانوا يسألون الآخرين كل يوم عن موقفهم من إيران وحزب الله، أصبح من المشروع اليوم أن يُسألوا هم:
ما موقفكم من كلام المبعوث الأميركي؟
هل ترفضونه لأنه، وفق المعايير التي وضعتموها بأنفسكم، يعيد إيران وحزب الله إلى طاولة البحث في مستقبل لبنان؟
أم تقبلونه لأن مصدره واشنطن؟
أم أن المطلوب انتظار التفسير الأميركي أولاً، ثم بناء الموقف اللبناني على أساسه؟
هذه الأسئلة ليست استفزازاً سياسياً. إنها اختبار للمصداقية.
فالسيادي الحقيقي لا يحتاج إلى معرفة اسم الدولة التي تمارس الضغط قبل أن يقرر إن كان سيعترض عليه. والسيادة التي لا تستطيع رفع صوتها إلا في اتجاه واحد ليست سيادة مكتملة، بل اصطفاف سياسي يرتدي ثوباً وطنياً.
قد يكون كلام برّاك مجرد مقاربة شخصية، وقد يتحول لاحقاً إلى جزء من رؤية أميركية أوسع. الحكم على ذلك يحتاج إلى ما هو أبعد من تصريح واحد.
لكن أهميته اللبنانية تحققت بالفعل.
لقد أسقط للحظة الأقنعة اللغوية ووضع الجميع أمام السؤال الذي جرى تأجيله طويلاً:
هل يريد لبنان فعلاً قراراً وطنياً مستقلاً، أم أن بعض قواه تريد فقط نقل مركز التأثير على هذا القرار من عاصمة إلى عاصمة؟
الفرق بين الأمرين هو كل الفرق بين بناء دولة وتغيير الوصي.
لبنان لا يحتاج سيادةً على إيران فقط، ولا سيادةً على أميركا فقط، ولا سيادةً تُستخدم في مواجهة حزب ثم تُطوى عندما تتحدث قوة دولية.
لبنان يحتاج سيادةً لا تنظر إلى هوية المتدخل قبل أن تقول له: هنا تبدأ حدودك.
أما أولئك الذين أشهروا سيف السيادة في وجه نصف اللبنانيين ثم ابتلعوا ألسنتهم عندما جاء الامتحان من الخارج، فقد وضعهم كلام برّاك أمام استحقاق بسيط وقاسٍ:
ارفعوا الصوت بالمقدار نفسه…
أو أعيدوا للكلمات أسماءها الحقيقية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :