آيكون نيوز
بينما تتبادل دمشق وتل أبيب الاتهامات في العلن، كانت قناة أخرى تعمل بعيداً عن الأضواء.
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني اجتمع، الأحد 23 آب، مع مدير جهاز «الموساد» الإسرائيلي رومان غوفمان، في لقاء رفيع المستوى هدفه احتواء التصعيد الذي انفجر عقب الغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية شمال غربي سوريا.
المعلومة كشفها موقع «أكسيوس» نقلاً عن مصدرين مطلعين، فيما لم يصدر إعلان رسمي عن الاجتماع من دمشق أو تل أبيب. وامتنع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن التعليق، كما لم يحصل الموقع على رد من الجانب السوري. وتفيد تقارير لاحقة بأن اللقاء عقد في الأردن.
لكن أهمية الاجتماع لا تكمن فقط في هوية الرجلين اللذين جلسا وجهاً لوجه.
الأهم هو السؤال: لماذا احتاجت سوريا وإسرائيل إلى هذا اللقاء الآن؟
الجواب يبدأ من تركيا.
اللقاء لم يأت من فراغ.
ففي 14 آب، أي قبل أربعة أيام من قصف أبو الظهور، أجرى غوفمان اتصالاً هاتفياً بالشيباني. وبحسب ثلاثة مصادر تحدثت إلى «رويترز»، تركز النقاش على الوجود العسكري التركي المتزايد في سوريا، والأسلحة والمسيّرات والدعم الذي تقدمه أنقرة للقوات السورية.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
الاتصال كان من أرفع مستويات التواصل المعلنة بين إسرائيل والإدارة السورية الجديدة، وكشف أن قناة أمنية مباشرة كانت موجودة بالفعل قبل انفجار أزمة أبو الظهور.
ثم جاءت الغارات.
في 18 آب، استهدفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور بثماني غارات على الأقل طالت المدرج ومناطق تخزين، من دون الإعلان عن سقوط ضحايا. والقاعدة تقع على مسافة نحو 45 ميلاً من الحدود التركية.
وهنا انقلب المشهد.
تل أبيب بررت هجومها بمخاوف من توسع الحضور العسكري التركي داخل سوريا.
نتنياهو تحدث علناً عن رفض إسرائيل تمركزاً عسكرياً تركياً يتقدم جنوباً، فيما ركزت المخاوف الإسرائيلية على احتمال استخدام أبو الظهور في إطار التعاون العسكري المتنامي بين دمشق وأنقرة.
تركيا نفت الرواية الإسرائيلية بشأن وجود خطة للانتشار في القاعدة، واعتبرت الضربة انتهاكاً للسيادة السورية. كما أكدت دمشق أنها أبلغت الجانب الإسرائيلي مسبقاً بعدم وجود خطة لإقامة قاعدة تركية دائمة في أبو الظهور.
وهنا تتضح طبيعة الأزمة.
ظاهرياً، إسرائيل قصفت قاعدة سورية.
لكن الرسالة السياسية والعسكرية كانت موجهة إلى أنقرة أيضاً.
أبو الظهور أصبح بذلك نقطة التقاء ثلاثة خطوط نفوذ: السيادة السورية، والدعم العسكري التركي، والخطوط الحمراء الإسرائيلية.
تركيا أصبحت من أهم الداعمين للحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وتشارك في تدريب القوات السورية وإعادة بناء قدراتها العسكرية.
بالنسبة إلى دمشق، هذه العلاقة توفر سنداً سياسياً وعسكرياً تحتاج إليه الدولة الخارجة من سنوات الحرب.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن انتقال النفوذ التركي من الدعم السياسي إلى بنية عسكرية متقدمة داخل سوريا يطرح معادلة مختلفة تماماً.
فإسرائيل اعتادت خلال سنوات أن تضرب داخل سوريا مع هامش واسع من حرية الحركة.
وجود عسكري تركي متقدم يغيّر الحسابات.
تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك واحداً من أكبر جيوش المنطقة، وأي ضربة إسرائيلية توقع قتلى أتراكاً قد تنقل الصراع من مواجهة إسرائيلية سورية إلى أزمة إقليمية يصعب ضبطها.
لهذا لم يعد السؤال بالنسبة إلى تل أبيب: ماذا تفعل دمشق؟
بل أيضاً: إلى أي مدى ستسمح دمشق لتركيا بالاقتراب؟
المبعوث الأميركي توم براك كشف حجم الخطر عندما تحدث عن ملابسات ضربة أبو الظهور.
وبحسب براك، فإن الولايات المتحدة تعمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك تجمع تركيا وإسرائيل وسوريا، بعدما أظهرت الغارة الأخيرة مدى سهولة الانزلاق إلى مواجهة نتيجة سوء التقدير أو غياب التنسيق.
تركيا فوجئت بالضربة، والطائرات الإسرائيلية كانت تعمل في منطقة قريبة من مجال شديد الحساسية بالنسبة إليها.
ولو فُهم التحرك بصورة مختلفة، كان من الممكن أن تتدحرج الأحداث إلى رد عسكري.
وهذا تحديداً ما تحاول واشنطن منعه.
ليس لأنها حلت الخلاف التركي الإسرائيلي، بل لأنها أدركت أن الطرفين أصبحا قريبين جغرافياً وعسكرياً إلى درجة تجعل وجود قناة اتصال ضرورة لا ترفاً.
براك طرح أيضاً رواية مثيرة للاهتمام عن احتمال وجود فجوة بين المسار الأمني التفاوضي وبين القرار العملياتي الإسرائيلي.
ففي الوقت الذي كانت فيه اتصالات خلفية تجري مع دمشق، مضى الجيش الإسرائيلي في ضرب أبو الظهور استناداً إلى تقديراته بشأن ما يجري في القاعدة.
لا تتوافر حتى الآن أدلة كافية تسمح بالقول إن هناك صراعاً بين الموساد والجيش الإسرائيلي.
لكن الواقعة تكشف على الأقل أن وجود قناة تفاوض لم يكن كافياً لمنع الضربة.
وهذا يطرح سؤالاً أكبر:
إذا كانت دمشق قد نقلت عبر القناة السرية تطمينات بشأن الوجود التركي، فلماذا لم تمنع هذه التطمينات الهجوم؟
المفارقة أن لقاء الأحد جاء بالتزامن مع حديث شديد اللهجة للشيباني عن إسرائيل.
ففي مقابلة مع «رويترز»، قال وزير الخارجية السوري إن دمشق تتوقع استئناف المفاوضات الأمنية رغم انعدام الثقة، مؤكداً أن الاتصالات انقطعت عقب ضربة أبو الظهور، وأن الأولوية السورية هي وقف الاعتداءات.
كما كشف أن الطرفين كانا قد قطعا شوطاً في مناقشة اتفاق أمني يتضمن وقف الهجمات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام بشار الأسد، إلى جانب ترتيبات ومناطق أمنية قرب الحدود.
وهنا يصبح اجتماع الأحد أكثر دلالة.
إذا كانت القناة قد انقطعت بعد أبو الظهور ثم اجتمع الشيباني وغوفمان، فنحن أمام إعادة تشغيل فعلية للمسار الخلفي.
من المبكر جداً وصف ما يحدث بأنه مسار سلام سوري إسرائيلي.
الموجود حتى الآن هو تفاوض أمني.
دمشق تريد وقف الغارات واستعادة الأراضي وتثبيت سيادتها.
إسرائيل تريد ترتيبات أمنية وضمانات تتعلق بالجنوب السوري، وفوق ذلك أصبحت تريد حدوداً واضحة للدور العسكري التركي.
أما واشنطن فتريد منع ثلاثة حلفاء أو شركاء لها، تركيا وسوريا وإسرائيل، من الانزلاق إلى مواجهة تخرب إعادة ترتيب المنطقة التي تعمل عليها.
لذلك يجلس الخصوم خلف الأبواب المغلقة.
ليس لأن الخلاف انتهى.
بل لأن الخلاف أصبح أخطر.
قبل الضربة، كان السؤال يتعلق بحجم الدور التركي في سوريا الجديدة.
بعد الضربة، أصبح السؤال: هل تستطيع إسرائيل استخدام القوة لمنع هذا الدور، وإلى أي مدى تستطيع تركيا تجاهل الخطوط الحمراء الإسرائيلية؟
وهنا تقع دمشق في المنتصف.
إذا تراجعت كثيراً أمام الضغوط الإسرائيلية، تخسر جزءاً من قدرتها على بناء جيشها وتحالفاتها.
وإذا سمحت بتمدد عسكري تركي تعتبره إسرائيل تهديداً، فقد تصبح المنشآت السورية أهدافاً متكررة.
إنها معادلة قاسية لدولة تحاول إعادة بناء نفسها.
لقاء الشيباني وغوفمان يكشف جانباً من الشرق الأوسط الجديد.
في العلن هناك غارات واتهامات وتهديدات.
وفي الخلف هناك هواتف واجتماعات ووسطاء وخطوط لمنع الاصطدام.
لكن تحت كل ذلك توجد معركة أكبر على سوريا نفسها.
من سيعيد بناء جيشها؟
من سيحدد حجم القوة التي تستطيع امتلاكها؟
إلى أين يمكن أن يصل النفوذ التركي؟
وأين تبدأ الخطوط الحمراء الإسرائيلية؟
لهذا فإن أبو الظهور لم يعد مجرد مطار عسكري قُصف.
لقد أصبح نقطة اختبار لموازين القوى في سوريا ما بعد الأسد.
والاجتماع السري بين وزير الخارجية السوري ورئيس الموساد يقول شيئاً واحداً بوضوح:
المعركة التي ظهرت في السماء فوق أبو الظهور انتقلت الآن إلى الغرف المغلقة… وهناك يجري رسم حدود النفوذ بين تركيا وإسرائيل فوق الأرض السورية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :