علي الطاهر… التلة التي تحوّلت إلى بوابة النبطية وعقدة الحرب والتفاوض

علي الطاهر… التلة التي تحوّلت إلى بوابة النبطية وعقدة الحرب والتفاوض

 

 

 

 

ايكون نيوز

 

لم تعد مرتفعات علي الطاهر مجرد نقطة جغرافية تتبادل عندها النيران. خلال الأسابيع الأخيرة، تحولت التلة المشرفة على النبطية إلى مركز ثقل عسكري وسياسي، تتقاطع فوقه محاولات الاحتلال لتوسيع سيطرته، واستعدادات المقاومة لمنع فرض وقائع جديدة، ومساعٍ أميركية لإنتاج تسوية تتيح انتشار الجيش اللبناني مقابل انسحاب إسرائيلي من نقطة محتلة.

وحتى صباح السبت 22 آب 2026، لا توجد معطيات موثوقة تثبت أن قوات الاحتلال أحكمت سيطرتها الكاملة على المرتفعات أو المنشآت الموجودة فيها. وما يجري هو ضغط ناري متواصل، ومحاولات اقتراب وعمليات هندسية واستطلاعية، وسط تضارب واضح بين الرواية الإسرائيلية والمعطيات اللبنانية.

أين تقع علي الطاهر؟

تقع مزرعة علي الطاهر إدارياً ضمن نطاق بلدة كفرتبنيت في قضاء النبطية، بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، وترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر.

ولا يشير اسم «علي الطاهر» إلى تلة منفردة فقط، بل إلى سلسلة مرتفعات تمتد عدة كيلومترات وتضم تلال الدبشة وعلي الطاهر ورأس الطهرة. ومن هذه المرتفعات يمكن الإشراف على أجزاء واسعة من النبطية وكفرتبنيت وكفررمان، إضافة إلى محاور إقليم التفاح وجبل الريحان ومجرى نهر الليطاني.

وتكمن أهمية الموقع في أنه يشكل حلقة وصل مرتفعة بين منطقة قلعة الشقيف من جهة، والنبطية وإقليم التفاح من جهة أخرى. لذلك فإن السيطرة عليه تمنح الجهة المتمركزة فيه قدرة كبيرة على المراقبة وضبط محاور الحركة والاقتراب من المدينة ومحيطها.

من مقام ديني إلى ثكنة احتلال

تحمل التلة اسم الولي علي الطاهر، الذي شُيّد له مقام قديم فوق المرتفع وكان أبناء المنطقة يقصدونه قبل أن تحوّل الحروب الموقع إلى نقطة عسكرية.

وبعد اجتياح لبنان عام 1982 وانكفاء قوات الاحتلال عن النبطية عام 1985، أقام العدو موقعا محصناً في المنطقة بالتوازي مع احتلاله قلعة الشقيف. وبقي الموقع واحداً من أبرز نقاط الاحتلال المطلة على النبطية وإقليم التفاح حتى تحرير الجنوب عام 2000.

لهذا لا تحمل علي الطاهر أهمية عسكرية فحسب، بل تحتفظ أيضاً برمزية مرتبطة بالاحتلال والتحرير وذاكرة أبناء المنطقة.

ماذا يجري ميدانياً؟

بدأت الضغوط الإسرائيلية الحالية بعد تقدم قوات الاحتلال في اتجاه قلعة الشقيف ومحاولتها ربط مواقعها المنتشرة حول مجرى الليطاني بمحاور تسمح لها بالاقتراب من مرتفعات علي الطاهر.

وفي 26 حزيران الماضي، ادعى جيش الاحتلال أنه بسط سيطرته على التلة، لكن «حزب الله» نفى ذلك، فيما نقلت «الجزيرة» عن مصدر عسكري لبناني أن الجيش لم يرصد تقدماً إسرائيلياً يغيّر الواقع الميداني في المرتفعات.

وتؤكد طبيعة العمليات اللاحقة أن المعركة لم تُحسم. فقد واصل العدو تنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي وإلقاء مواد متفجرة وقنابل حارقة، بالتزامن مع تحركات لقوات هندسية تحاول اكتشاف المداخل والمنشآت الموجودة في المنطقة.

وفي 15 آب، استُهدفت قوة هندسية إسرائيلية من وحدة «يهلوم» بمسيّرة في محيط المرتفعات، ووقعت إصابات في صفوفها، قبل أن يرد الاحتلال بسلسلة واسعة من الغارات على النبطية ومحيطها.

وخلال ليل الخميس – الجمعة، شن الطيران الإسرائيلي سلسلة غارات عنيفة على مرتفعات علي الطاهر والمنطقة الواقعة بين الدبشة ودوحة كفررمان والأطراف الشمالية للنبطية الفوقا. كما ألقت محلقات إسرائيلية مواد متفجرة فوق المرتفع أكثر من مرة.

لا سيطرة إسرائيلية مكتملة

الصياغة الأدق ميدانياً هي أن قوات الاحتلال تمتلك تفوقاً جوياً وسيطرة نارية واستطلاعية حول المنطقة، لكنها لم تثبت سيطرة برية مستقرة وكاملة على منظومة المرتفعات والمنشآت.

فالسيطرة على بعض النقاط المكشوفة أو التقدم إليها لا تعني حسم كامل التلة، خصوصاً أن الحديث يدور عن سلسلة مرتفعات ومنشآت ومداخل متفرقة، لا عن قمة واحدة يمكن رفع العلم فوقها وإعلان انتهاء المعركة.

كما أن استمرار الغارات والتفجيرات ومحاولات البحث عن المداخل يمثل مؤشراً إلى أن الهدف الإسرائيلي لم يتحقق بالكامل. وهذا استنتاج ميداني، وليس إعلاناً رسمياً من أي من طرفي المواجهة.

لماذا يريدها الاحتلال؟

يسعى العدو عبر السيطرة على علي الطاهر إلى استكمال خط مرتفعات يبدأ من قلعة الشقيف، بما يمنحه إشرافاً نارياً وميدانياً على النبطية ومداخل إقليم التفاح.

ومن شأن تثبيت موقع إسرائيلي فيها أن يهدد محاور كفرتبنيت والنبطية الفوقا وكفررمان، ويمنح الاحتلال قدرة على إبقاء مدينة النبطية تحت ضغط دائم، حتى من دون تنفيذ اجتياح مباشر.

كذلك، تريد إسرائيل تحويل التلة إلى سابقة سياسية. فإذا حصلت على إخلاء موقع شمال الليطاني تحت الضغط العسكري، يمكنها الانتقال لاحقاً إلى المطالبة بإخلاء مواقع ومناطق أخرى، وربط أي انسحاب جديد بتنازل لبناني إضافي.

بهذا المعنى، لم تعد المسألة متعلقة بمنشأة أو تلة فقط، بل بمحاولة رسم حدود جديدة لما يسميه الاحتلال «المنطقة الأمنية»، وفرض قواعد لا ينص عليها أي اتفاق.

التلة على طاولة المقايضة

تحدثت تقارير لبنانية عن وساطة يقودها الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، تقوم على تسليم منشأة علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، مقابل انسحاب قوات الاحتلال من الخيام أو من موقع آخر يوازيها أهمية.

ولا تزال هذه الصيغة في إطار التداول، ولم تتحول إلى اتفاق رسمي معلن. كما لا يوجد توحيد للروايات حول طبيعة الضمانات أو الموقع الذي قد ينسحب منه العدو.

لكن الجديد تمثل في إعلان نائب رئيس الحكومة طارق متري أن الجيش اللبناني مستعد لتسلّم مرتفع علي الطاهر. وفي الوقت نفسه، أقر متري بأن إسرائيل لا تظهر حسن نية في المفاوضات، وأنها تعرقل عمل الدول المستعدة لمساعدة الجيش في الجنوب.

والسؤال هنا ليس ما إذا كان الجيش قادراً على الانتشار، فالجيش اللبناني هو المؤسسة الشرعية المعنية ببسط السيادة على كامل الأراضي اللبنانية. السؤال هو: هل سيقترن انتشاره بانسحاب إسرائيلي كامل وضمانات تمنع العدو من قصف الموقع أو اقتحامه بعد تسلّمه؟

فالانتشار المتبادل الذي يؤدي إلى تحرير أراضٍ محتلة يختلف جذرياً عن إخلاء موقع لبناني تحت النار، من دون انسحاب واضح ومضمون للاحتلال.

حرب الشائعات

تداولت قناة «العربية الحدث» معلومات نسبتها إلى «مصدر مقرّب من حزب الله»، تحدثت عن رفض تسليم التلة إلى الجيش ووجود أكثر من مئة عنصر من الحزب والحرس الثوري داخلها.

لكن العلاقات الإعلامية في «حزب الله» نفت رسمياً المعلومات والرواية المنسوبة إلى ما سُمّي «مصدراً مقرباً». وعليه، لا يجوز التعامل تحريرياً مع أعداد الموجودين أو هوياتهم باعتبارها حقائق مثبتة.

هل تتوسع المعركة نحو إقليم التفاح؟

تحذر تقديرات لبنانية من أن نجاح الاحتلال في حسم معركة علي الطاهر قد يدفعه إلى توسيع عملياته باتجاه إقليم التفاح، مستفيداً من إشراف المرتفعات على المنطقة.

لكن هذا السيناريو ليس قراراً إسرائيلياً معلناً حتى الآن. وقد يكون جزءاً من الضغط النفسي الهادف إلى دفع لبنان للقبول بالمقايضة قبل إطلاق عملية برية مكلفة.

وتشير «النهار» إلى أن المخاوف من الخسائر لا تزال تؤخر إعطاء الضوء الأخضر لهجوم إسرائيلي واسع، فيما تتقاطع الوساطات مع حسابات نتنياهو الانتخابية واحتمالات استخدام جبهة لبنان لتحقيق مكاسب داخلية.

 

علي الطاهر ليست «آخر معركة» في الجنوب، لكنها اختبار بالغ الخطورة لقواعد المرحلة المقبلة.

إذا انتهى الملف بانتشار الجيش مقابل انسحاب إسرائيلي واضح ومتزامن ومضمون، يمكن أن تتحول التلة إلى بداية لاستعادة الأراضي المحتلة. أما إذا فُرض إخلاؤها تحت القصف من دون انسحاب حقيقي، فستتحول إلى سابقة تسمح للعدو بطلب المزيد من المواقع كلما رفع مستوى النار.

وبين الاحتمالين، تبدو الحقيقة الميدانية أكثر توازناً من ضجيج التسريبات: الاحتلال يملك القدرة على التدمير والحصار الناري، لكنه لم يثبت حتى الآن قدرته على حسم المرتفعات من دون كلفة. ولهذا تحديداً، انتقلت علي الطاهر من جبهة القتال إلى طاولة التفاوض، وبات مصيرها مرآة لمصير الجنوب كله.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي