شخصية اليوم | مي زيادة.. «نابغة الشرق» التي صنعت مجلساً للنهضة ثم خاضت وحدها معركة العقل والحرية

شخصية اليوم | مي زيادة.. «نابغة الشرق» التي صنعت مجلساً للنهضة ثم خاضت وحدها معركة العقل والحرية

 

 

 

 

خاص ايكون نيوز 

حين يُذكر اسم مي زيادة، غالباً ما تقفز إلى الذاكرة رسائل الحب بينها وبين جبران خليل جبران، ثم قصتها الموجعة مع المرض والمستشفى والمحاكم. لكن اختزال مي في «حبيبة جبران» أو في سنواتها الأخيرة هو ظلم لواحدة من أكثر نساء النهضة العربية ثقافة وتأثيراً.

كانت كاتبة وناقدة ومترجمة وصحافية ومحاضرة، أتقنت لغات عدة، وحوّلت منزلها في القاهرة إلى واحد من أشهر الصالونات الأدبية العربية، ودافعت عن تعليم المرأة واستقلالها وحضورها في الحياة العامة في زمن لم يكن ظهور امرأة بهذا الثقل الفكري أمراً عادياً.

إنها مي زيادة... المرأة التي اجتمع في مجلسها عمالقة الأدب، ثم وجدت نفسها في نهاية الطريق مضطرة إلى أن تثبت أمام المجتمع والقضاء أنها صاحبة عقل وإرادة وحق في إدارة حياتها.

من الناصرة بدأت الحكاية

وُلدت ماري إلياس زيادة، التي ستعرف لاحقاً باسم «مي زيادة»، في الناصرة في 11 شباط 1886، لأب لبناني هو إلياس زيادة وأم فلسطينية هي نزهة معمّر.

بدأت تعليمها في الناصرة، ثم انتقلت إلى لبنان وأكملت دراستها في عينطورة، قبل أن تنتقل مع أسرتها إلى القاهرة التي ستصبح المسرح الأكبر لحياتها الفكرية والأدبية.

منذ سنواتها الأولى ظهرت موهبتها اللغوية بصورة استثنائية. درست الفرنسية والإيطالية، ثم توسعت في تعلم الإنجليزية والألمانية واللاتينية واليونانية، واهتمت لاحقاً بالإسبانية، إلى جانب العربية التي صنعت بها مكانتها الأدبية. ولم تكن اللغة بالنسبة إليها مجرد أداة تواصل؛ كانت نافذة تدخل منها إلى آداب العالم ثم تعود لتكتب عن الإنسان العربي وأسئلته.

القاهرة.. ولادة مي الثانية

في مصر بدأت مي تتحول من فتاة مثقفة إلى شخصية عامة.

نشرت المقالات في الصحافة، وكتبت في قضايا الأدب والمجتمع والفكر والمرأة والنقد، وظهرت كتاباتها في صحف ومجلات من بينها «المحروسة» و«الهلال» و«السياسة» و«الأهرام». كما درست في الجامعة المصرية التاريخ والفلسفة والأخلاق والأدب العربي والتاريخ الإسلامي.

ولم تكن مي كاتبة تجلس خلف مكتبها فقط.

كانت خطيبة ومحاضرة، واعتلت منابر ثقافية وجامعية في مصر ولبنان وسوريا، وتظهر محفوظات الجامعة الأميركية في بيروت أنها ألقت فيها أربع محاضرات، كانت الأولى عام 1922 والأخيرة في كانون الأول 1938.

الثلاثاء الذي غيّر المشهد الثقافي

لكن الإنجاز الذي جعل منزل مي واحداً من عناوين النهضة العربية كان صالونها الأدبي الأسبوعي.

ابتداءً من العقد الثاني من القرن العشرين، أصبح مجلسها ملتقى لأبرز أدباء ومفكري عصرها، واستمر لنحو عقدين.

كان من رواده طه حسين، عباس محمود العقاد، أحمد لطفي السيد، مصطفى صادق الرافعي، خليل مطران، سلامة موسى، يعقوب صروف، أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، كما حضرت هدى شعراوي بعض لقاءاته.

لم يكن ذلك مجرد اجتماع لشرب القهوة وتبادل المجاملات.

كان مجلساً للنقاش في الأدب والفلسفة والسياسة والمجتمع والموسيقى، يجلس فيه الرجال والنساء، المصريون والشوام والأوروبيون، ويتحدثون بالعربية والفرنسية والإنجليزية وغيرها.

وفي مجتمع كانت المرأة لا تزال تخوض معركتها للخروج إلى المجال العام، كانت امرأة هي التي تدير واحداً من أهم مجالس النخبة الثقافية العربية.

وهنا تكمن ثورية مي الحقيقية.

لم تكن تحتاج إلى رفع صوتها كي تثبت حضور المرأة؛ كانت تجلس في صدر مجلس يضم كبار رجال الفكر في عصرها، وتناقشهم من موقع الندّية.

المرأة في فكر مي

كانت قضية المرأة جزءاً أصيلاً من مشروعها الفكري.

دعت إلى تعليم النساء، وانتقدت واقعهن الاجتماعي، وارتبطت بجمعيات نسائية في القاهرة وبيروت ودمشق، وكتبت عن نساء رائدات، ومن أبرز أعمالها كتابها عن ملك حفني ناصف «باحثة البادية».

لكنها لم تتعامل مع تحرير المرأة باعتباره تقليداً أعمى للغرب. كانت تبحث عن تحديث المجتمع مع الحفاظ على الشخصية الثقافية العربية، وهي سمة لافتة في خطابها الفكري.

ولهذا لا يمكن وضعها فقط في خانة «الأديبة الرومانسية». كانت جزءاً من النقاش الكبير حول شكل المجتمع العربي الحديث.

جبران.. حب عاش بالكلمات

ثم يأتي جبران خليل جبران.

وهو الفصل الذي طغى، أحياناً بصورة غير عادلة، على بقية حياتها.

نشأت بين مي وجبران مراسلات طويلة عبر المحيط بين القاهرة ونيويورك، وتحولت الرسائل مع السنوات إلى علاقة وجدانية وفكرية عميقة استمرت حتى وفاة جبران عام 1931.

والأكثر غرابة أن الاثنين لم يلتقيا وجهاً لوجه.

كانت الكلمات هي مكان اللقاء.

تؤكد المصادر امتداد المراسلات بينهما لنحو عقدين، وقد تركت هذه العلاقة واحداً من أشهر نماذج المراسلات الأدبية العاطفية في الثقافة العربية الحديثة.

لكن الإنصاف يقتضي القول:

مي زيادة لم تصبح مهمة لأنها أحبت جبران.

جبران كان فصلاً مهماً في حياتها، أما مكانتها فقد صنعتها هي بقلمها وثقافتها وصالونها ومحاضراتها وحضورها الفكري.

ثم بدأ الذين تحبهم يرحلون

بدأت الضربات تتوالى.

فقدت والدها، ثم جبران، ثم والدتها، وتراكمت الخسارات على امرأة كانت شديدة الحساسية والارتباط بعائلتها وعالمها الفكري.

دخلت مرحلة من الانهيار النفسي والحزن العميق، وفي منتصف الثلاثينيات انتقلت إلى لبنان، وهناك بدأت أكثر صفحات حياتها إثارة للجدل والألم.

من صالون الأدباء إلى مستشفى الأمراض النفسية

أُدخلت مي إلى مستشفى العصفورية للأمراض النفسية في لبنان.

لكن القضية لم تبقَ طبية.

نشأ نزاع مع أقاربها حول أهليتها القانونية وإدارة ممتلكاتها، وتحولت حياة المرأة التي كان كبار المثقفين يقصدون مجلسها للاستماع إليها إلى معركة لإثبات أنها قادرة على إدارة نفسها وأموالها.

وهنا يظهر أحد أكثر التناقضات قسوة في قصتها:

امرأة أمضت حياتها تدافع عن استقلال المرأة وجدت نفسها مضطرة للدفاع عن استقلالها الشخصي.

انطلقت حملة ثقافية للدفاع عنها، وكان أمين الريحاني من أبرز الذين وقفوا إلى جانبها، إلى جانب شخصيات أدبية وقانونية أخرى. وفي عام 1938 رُفضت الدعوى الرامية إلى إعلان عدم أهليتها قانونياً.

لقد استعادت حريتها القانونية.

لكن شيئاً في داخل مي لم يعد كما كان.

عودتها الأخيرة إلى المنبر

بعد خروجها من المحنة حاولت استعادة حياتها الثقافية.

انتقلت فترة إلى الفريكة في جبل لبنان قرب أمين الريحاني، واستقبلت أدباء وشخصيات ثقافية ونسائية، وعادت إلى الظهور والمحاضرة. وفي كانون الأول 1938 وقفت مجدداً على منبر الجامعة الأميركية في بيروت لتلقي محاضرة عن القوة والضعف في حياتنا الروحية.

تبدو تلك العودة اليوم شديدة الرمزية.

المرأة التي قيل إنها فقدت عقلها عادت إلى الجامعة لتتكلم أمام جمهور عن «الحياة الروحية».

كان ذلك، بحد ذاته، جواباً.

النهاية في القاهرة

عادت مي إلى مصر، المدينة التي شهدت مجدها الأكبر.

وفي 19 تشرين الأول 1941 توفيت في القاهرة عن 55 عاماً.

رحلت ولم تكن حولها الجموع التي ملأت صالونها في سنوات التألق.

لكن الذين غابوا عن أيامها الأخيرة لم يستطيعوا أن يمحوا أثرها.

بقيت كتبها ومقالاتها ورسائلها، وبقي اسمها مرتبطاً بمرحلة كان الفكر العربي يحاول فيها إعادة تعريف نفسه.

ماذا بقي من مي؟

بقيت مؤلفات مثل «باحثة البادية»، و«سوانح فتاة»، و«كلمات وإشارات»، وترجمتها «ابتسامات ودموع»، إلى جانب المقالات والخطب والمراسلات التي توزعت على الصحافة والمحفوظات.

لكن إرث مي الحقيقي أكبر من قائمة كتب.

لقد أثبتت، بالفعل لا بالشعار، أن المرأة العربية تستطيع أن تكون في مركز الحياة الفكرية لا على هامشها؛ وأن تستضيف كبار مفكري عصرها وتناقشهم؛ وأن تكون صحافية وناقدة ومترجمة ومحاضرة وصاحبة مشروع ثقافي مستقل.

ولهذا فإن أكثر ما يظلم مي زيادة هو أن نتذكر جنوناً نُسب إليها وننسى العقل الذي أبهر جيلاً، أو أن نتذكر جبران وننسى صاحبة الرسائل التي كان جبران نفسه ينتظر كلماتها.

مي زيادة ليست قصة امرأة أحبها الأدباء.

إنها قصة امرأة أجبرتهم على الاعتراف بعقلها.

ومن الناصرة إلى عينطورة، ومن القاهرة إلى بيروت، ومن صالون الثلاثاء إلى قاعة المحكمة، كانت معركتها في جوهرها واحدة:

حق الإنسان، وخصوصاً المرأة، في أن يمتلك صوته وعقله وحياته.

ولهذا، بعد أكثر من ثمانية عقود على رحيلها، لا تزال مي زيادة تستحق اللقب الذي التصق بذكراها:

«نابغة الشرق».

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي