الجنوب على خط النار… العدو يوسّع احتلاله والجيش يضع المسؤولية في مكانها

 الجنوب على خط النار… العدو يوسّع احتلاله والجيش يضع المسؤولية في مكانها

 

 

 

 

تقرير ميداني حتى صباح الخميس 20 آب 2026

 

لا يعيش جنوب لبنان وقفاً فعلياً لإطلاق النار، بل مرحلة شديدة الخطورة يحاول خلالها الاحتلال الإسرائيلي تحويل تفوّقه الناري إلى وقائع جغرافية دائمة. فالغارات والتوغلات ونسف المنازل وتجريف الأراضي لم تعد حوادث منفصلة، بل أجزاء من عملية مترابطة تمتد من المنصوري غرباً إلى ميس الجبل والخيام شرقاً، وتبلغ ذروتها حول مرتفعات «علي الطاهر» المشرفة على النبطية.

ووسط هذا المشهد، جاء موقف قائد الجيش العماد رودولف هيكل ليضع المسؤولية في مكانها، مؤكداً أن الجيش يواصل تنفيذ مهماته المتعلقة باتفاق الإطار، في حين يستمر الاحتلال الإسرائيلي في اعتداءاته وخروقاته. وبذلك سقطت محاولة تحميل المؤسسة العسكرية اللبنانية مسؤولية تعثر الاتفاق، بينما يمنعها الاحتلال بالقصف والتوغل من استكمال انتشارها وبسط سلطة الدولة.

 ليلة غارات واسعة في عمق الجنوب

شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي بعيد منتصف ليل الأربعاء سلسلة غارات استهدفت منطقة الدبشة ودوحة كفررمان ومرتفعات علي الطاهر في قضاء النبطية، إضافة إلى برعشيت في قضاء بنت جبيل، والقنطرة وأطراف دير سريان في قضاء مرجعيون [7].

وأحدثت الغارة على الدبشة انفجارات قوية سُمعت في النبطية ومحيطها، فيما استهدفت غارة أخرى منزلاً في حي الدير في النبطية الفوقا وأدت إلى تدميره بالكامل [7]، من دون صدور حصيلة رسمية فورية عن وقوع ضحايا.

وفي موازاة الغارات الجوية، نفذت قوات الاحتلال تفجيرات عنيفة في كفرتبنيت وحولا وطلوسة وبني حيان، وأطلقت دبابة «ميركافا» أربع قذائف باتجاه الخيام، فيما تعرضت حداثا لعمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة.

كما ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة في بلدة المنصوري، ما أدى إلى اندلاع حريق، واستهدفت قذيفة أطراف الهبارية لجهة جبل السدانة، في وقت تواصل فيه الطائرات المسيّرة التحليق على علو منخفض فوق عدد من القرى والبلدات الجنوبية.

 توغل خطير في ميس الجبل

سُجل التطور البري الأبرز عند الأطراف الغربية لميس الجبل، حيث توغلت قوة إسرائيلية باتجاه قلعة دوبيه، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف أحد المنازل وتمشيط بالأسلحة الرشاشة أدى إلى اندلاع حريق.

وجرى التحرك على مقربة من دورية تابعة لقوات «اليونيفيل»، وأفادت تقارير ميدانية بأن قوات الاحتلال قطعت الطريق أمام الموكب الدولي وأجبرته على التراجع.

ولا يمكن فصل هذا التحرك عن عمليات التجريف والقصف التي شهدها خلال الأيام الماضية المحور الممتد بين شقرا وميس الجبل ووادي السلوقي. فالاقتراب من قلعة دوبيه يمنح الاحتلال قدرة أكبر على مراقبة الطرق والتحكم بالمداخل الغربية لميس الجبل، ويوسع نطاق تحركاته في قضاء مرجعيون.

كما يكشف اعتراض دورية «اليونيفيل» حدود قدرة القوة الدولية على التحرك داخل المناطق التي يحاول الاحتلال تحويلها إلى نطاق عسكري مغلق، بما يسمح له بتنفيذ عمليات الهدم والتجريف بعيداً عن الرقابة الدولية الفعلية.

 «علي الطاهر»… عقدة الميدان

تكشف خريطة الاستهدافات الأخيرة أن مرتفعات علي الطاهر لم تعد مجرد نقطة ضمن مسرح العمليات، بل أصبحت مركز الضغط الإسرائيلي الأساسي.

تقع المرتفعات بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، شمال نهر الليطاني، وتشرف على مدينة النبطية ودوحة كفررمان والطرق التي تصل شمال الليطاني بجنوبه، كما تواجه قلعة الشقيف وتكشف محاور واسعة في اتجاه إقليم التفاح.

من هنا، فإن السيطرة عليها لا تعني تقدماً جغرافياً محدوداً، بل تمنح الطرف المسيطر قدرة على الرصد والتحكم الناري وتهديد النبطية ومداخلها. كما أن وصول قوات الاحتلال إليها سيعني نقل منطقة الاحتلال إلى شمال الليطاني، وتأسيس نقطة ارتكاز تتجاوز بصورة خطيرة الحدود التي يحاول الاحتلال فرضها تحت اسم «المنطقة الأمنية» أو «الخط الأصفر».

القصف المتكرر للتلة ومحيطها، والتمهيد الجوي والمدفعي، ومحاولات الاقتراب البري، تشير إلى احتمالين مترابطين: إما التحضير لعملية عسكرية هدفها تطويق المرتفعات واقتحامها، وإما إبقاء التهديد قائماً لاستخدامه ورقة ضغط في المفاوضات.

وفي الحالتين، يحاول الاحتلال انتزاع الموقع بالنار أو الحصول سياسياً على ما عجز عن تثبيته ميدانياً، فيما سبق للمقاومة أن أعلنت عدم التخلي عن المرتفعات واستعدادها للتصدي لأي محاولة لاحتلالها.

 موقف الجيش… نحن ننفذ والاحتلال يعرقل

في موقف تتجاوز دلالاته الصياغة العسكرية التقليدية، أكد قائد الجيش العماد رودولف هيكل أن المؤسسة العسكرية تواصل تنفيذ المهمات كافة المتعلقة باتفاق الإطار «ضمن الإمكانات المتوافرة»، في حين تستمر قوات الاحتلال الإسرائيلي في اعتداءاتها وخروقاتها للتفاهمات القائمة ضمن الاتفاق.

وبذلك وضع الجيش الوقائع في نصابها. فالتعطيل لا يأتي من المؤسسة العسكرية اللبنانية، بل من عدو يطالب الجيش بالتقدم لتنفيذ الاتفاق، فيما يقصف مناطق انتشاره ويمنعه من الوصول إلى الأراضي المحتلة ويواصل التوسع داخل القرى.

وتحمل عبارة «ضمن الإمكانات المتوافرة» دلالة إضافية، إذ تشير إلى القيود العملانية واللوجستية التي تواجه المؤسسة العسكرية، فضلاً عن صعوبة تنفيذ مهمات ميدانية في مناطق تتعرض للقصف وتنتشر فيها الذخائر غير المنفجرة، بينما تواصل القوات الإسرائيلية عمليات النسف والتجريف.

كما يتقاطع موقف هيكل مع موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أكد أن الجيش اللبناني قادر على الانتشار فور انسحاب الاحتلال، وأنه يجب أن يكون القوة الوحيدة الحافظة للأمن في منطقة جنوب الليطاني.

ويؤسس الموقفان لتسلسل لبناني واضح: وقف الاعتداءات، انسحاب الاحتلال، انتشار الجيش، ثم استكمال تنفيذ الترتيبات الأمنية. وهذا يناقض التسلسل الإسرائيلي الذي يريد نزع السلاح أولاً، مع إبقاء الاحتلال وحرية القصف والتوغل من دون سقف زمني.

 هندسة احتلال لا عمليات عسكرية عابرة

لا تنفصل معركة المرتفعات عن عمليات الهدم المتواصلة داخل القرى المحتلة. ففي المنصوري وحداثا وطلوسة وحولا وبني حيان وكفرتبنيت، تتكرر عمليات النسف والتجريف وإحراق المنازل وقطع الطرق.

هذا النمط لا يستهدف بنية عسكرية مزعومة فقط، بل شروط الحياة نفسها. فتدمير البيوت وخزانات المياه والأراضي الزراعية وإغلاق المداخل يجعل عودة السكان شبه مستحيلة، ويحوّل التهجير المؤقت إلى واقع طويل الأمد — وهو ما أشار إليه المفوض السامي لحقوق الإنسان حين حذّر من أن حجم التدمير يثير شبهات جدية بشأن انتهاك القانون الدولي الإنساني واحتمال ارتكاب جرائم حرب.

ووفق المجلس الوطني للبحوث العلمية، تضررت أو دُمرت نحو 85 ألف وحدة سكنية في الجنوب، مع ترجيح ارتفاع الحصيلة الفعلية لأن نسبة من الأبنية لم تخضع للتقييم بسبب استمرار العمليات العسكرية وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.

أما «اليونيفيل»، فقد رصدت بين 5 و16 آب معدلاً بلغ 137 مقذوف يومياً [9][10]. وهذه الأرقام تنفي توصيف ما يجري بأنه حوادث أمنية محدودة، وتؤكد أن الجنوب يتعرض لحملة عسكرية متواصلة ومنظمة.

 مخلفات الحرب تواصل حصد الأرواح

إلى جانب القصف المباشر، استشهد ثلاثة أشخاص خلال الساعات الماضية بانفجار أجسام من مخلفات الحرب، اثنان قرب الساتر الترابي بين ميفدون وزوطر الشرقية، وثالث في بلدة عدشيت، فيما أصيب عدد آخر بجروح.

وتكشف هذه الحوادث أن الخطر لا ينتهي مع توقف الغارات، إذ تنتشر القنابل والذخائر غير المنفجرة في الحقول والطرق ومحيط المنازل، ما يجعل عودة الأهالي محفوفة بالموت ويضاعف أعباء الجيش وفرق الهندسة والدفاع المدني.

وجاء التصعيد الأخير بعد مجزرتي أنصار ودير الزهراني في 15 آب، اللتين أسفرتا عن استشهاد 11 شخصاً، بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، وإصابة 19 آخرين [4][8]، في الاعتداء الأكثر دموية منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 20 حزيران.

 التفاوض تحت النار

لم تحقق الاتصالات الأخيرة تقدماً في تثبيت وقف إطلاق النار أو تحديد موعد الجولة الثامنة من مفاوضات روما. وتشير تقارير صحفية إلى رفض إسرائيلي لأي «منطقة تجريبية» جديدة، بالتزامن مع توسيع الشريط المحتل وزرع العوائق العسكرية قرب البلدات والاستعداد لعملية محتملة ضد مرتفعات علي الطاهر.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أعلن أن قوات الاحتلال لن تنسحب قبل نزع سلاح حزب الله، وأمر جيشه بالاستعداد لبقاء طويل في الجنوب. في المقابل، اعتبرت واشنطن أن الوجود العسكري الإسرائيلي الدائم يتعارض مع الاتفاق الإطاري، فيما ترفض المقاومة مناقشة سلاحها قبل انسحاب الاحتلال ووقف الاعتداءات.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية: إسرائيل تريد من لبنان تنفيذ التزاماته كاملة، فيما تحتفظ لنفسها بحق الاحتلال والقصف والهدم والتوغل. وبذلك يتحول الاتفاق من إطار متوازن يفترض التزامات متبادلة إلى أداة ضغط أحادية على الجانب اللبناني.

 قراءة ICON NEWS

الميدان يتقدم الآن على السياسة، والعدو يستخدم ثلاث أدوات متزامنة: النار لإرهاب السكان، والهندسة العسكرية لتغيير الجغرافيا، والمفاوضات للحصول على شرعية للوقائع التي فرضها بالقوة.

الخطر الأكبر لم يعد محصوراً في بقاء الاحتلال داخل ما يسميه «المنطقة الأمنية»، بل في محاولته توسيعها تدريجياً نحو ميس الجبل وقلعة دوبيه ومرتفعات علي الطاهر.

وإذا نجح في تثبيت موطئ قدم شمال الليطاني، فإن الجنوب سينتقل من مرحلة احتلال شريط حدودي إلى مشروع سيطرة على المرتفعات والمفاصل التي تتحكم بمدينة النبطية وطرقها.

أما موقف الجيش، فيحمي المؤسسة العسكرية من محاولة تحميلها مسؤولية فشل الاتفاق، لكنه يضع الدولة والمجتمع الدولي أمام مسؤولياتهما. فالجيش أعلن استعداده وينفذ ضمن إمكاناته، لكن لا يمكن مطالبته ببسط السيادة فوق أرض يمنعه الاحتلال من الوصول إليها، ولا بتحمل تبعات اتفاق تخرقه إسرائيل يومياً.

وعليه، لا تبدو الجبهة متجهة بالضرورة إلى حرب شاملة فورية، لكنها تقف أمام مسار تصعيدي مفتوح، عنوانه قضم الأرض تحت غطاء وقف إطلاق النار. أما الاختبار الحقيقي فسيكون عند أول محاولة برية واسعة لاقتحام «علي الطاهر»، إذ يمكن لتلك اللحظة أن تنقل الميدان من الضغط المتدرج إلى مواجهة يصعب ضبط حدودها.

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي