ايكون نيوز
لا يرتبط جمال المرأة بعمر محدد، غير أن بلوغ سن الخمسين يدفع كثيرات إلى البحث عن إطلالة جديدة تجمع بين الأناقة والراحة، وتمنح الوجه إشراقة أكثر حيوية من دون التخلي عن الرقي والنضج.
ليليان عبد الخالق – باحثة في العلوم السياسية
ثمانون عامًا والسعودية تدفع لتحمى، اشترت السلاح، واستضافت الوجود العسكري، وراكمت علاقات دفاعية عميقة مع واشنطن، فيما وفّرت الولايات المتحدة مظلة استراتيجية شكّلت لعقود جزءًا أساسيًا من أمن الخليج. لكن البيئة التي نشأت فيها هذه المعادلة تغيّرت، ومعها تغيّرت حسابات الرياض. فلم تعد السعودية تكتفي بإدارة علاقتها بحليف واحد، بل باتت تعمل على توسيع خياراتها وبناء شبكة أكثر تنوعًا من الشراكات الأمنية والاستراتيجية.
من هنا تأتي أهمية «اتفاق مكة للدفاع المشترك» الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026. فالرياض لا تستبدل حليفًا بحليف، بقدر ما توسّع دائرة شركائها وتعيد صياغة موقعها داخل منظومة الأمن الإقليمي. وينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، إلى جانب تطوير أوجه التعاون الدفاعي والأمني بينها. كما يتضمن إنشاء آليات مؤسسية لإدارة التعاون، بما يشير إلى محاولة الانتقال من التفاهمات السياسية إلى إطار أكثر انتظامًا.
واللافت أن اتفاق مكة لم يولد من فراغ. فقد سبقته في سبتمبر 2025 اتفاقية دفاع متبادل بين السعودية وباكستان، جعلت أي عدوان على إحدى الدولتين بمثابة عدوان على الأخرى. وجاء الاتفاق الثلاثي ليضيف تركيا إلى هذه المعادلة ويوسعها، بما يجعل اتفاق مكة أقرب إلى مرحلة جديدة في مسار تعاون أمني متدرج، لا إلى صفقة منفصلة عن سياقها.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الاتفاق: تكامل عناصر القوة. فالسعودية تمتلك وزنًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا كبيرًا وموقعًا مركزيًا في سوق الطاقة، بينما تتمتع تركيا بقدرات عسكرية وتكنولوجية وصناعات دفاعية متقدمة، وتضيف باكستان خبرة عسكرية وقدرات استراتيجية كبيرة. جمع هذه المقومات لا يعني بالضرورة إنشاء قوة عسكرية موحدة، لكنه يمنح الاتفاق قيمة ردعية تتجاوز ما يمكن أن توفره كل دولة منفردة.
فالردع لا يقوم فقط على امتلاك القوة، وإنما على إقناع الخصم بأن تكلفة التصعيد ستكون مرتفعة. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره محاولة لبناء معادلة ردع إقليمية أكثر تنوعًا، وليس مجرد ترتيبات لحماية دولة من تهديد محدد.
لكن أهمية الاتفاق لا تعني أن نتائجه محسومة. فالقوة على الورق شيء، والقدرة على العمل المشترك في لحظة الأزمة شيء آخر. ماذا يحدث إذا تعرضت إحدى الدول الثلاث لهجوم؟ وما آلية اتخاذ القرار؟ وما حجم الاستجابة العسكرية الفعلية؟ وهل تستطيع الدول الثلاث تنسيق قدراتها ومصالحها في أزمة لا تتطابق بالضرورة حساباتها بشأنها؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من الاتفاق، بل تختبر مدى قابليته للتحول من التزام سياسي إلى قدرة ردعية فعلية. فالتحالفات الدفاعية لا تُقاس فقط بالنصوص التي تُوقع في لحظة التوافق، وإنما بقدرتها على الصمود عندما تختلف الحسابات وتظهر الأزمات.
وهنا تبرز أيضًا مسألة الشراكات القائمة. فالرياض لا تبدو بصدد التخلي عن علاقتها الدفاعية مع الولايات المتحدة، كما أن الاتفاق الجديد لا يُقدَّم رسميًا باعتباره موجهًا ضد دولة بعينها. وقد شددت تركيا على أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز الردع ولا يستهدف إيران أو غيرها تحديدًا، كما أشارت أنقرة إلى أنه يكمل التحالفات القائمة ولا يحل محلها.
وهذا يعني أن القراءة الأدق للتحول السعودي ليست «الابتعاد عن واشنطن»، بل تنويع مصادر القوة والشراكة. ففي عالم أكثر تعددًا في مراكز القوة، يبدو أن الرياض تحاول الاحتفاظ بعلاقاتها الدولية الواسعة، وفي الوقت نفسه بناء ترتيبات إقليمية تمنحها قدرة أكبر على المناورة واتخاذ القرار.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى السعودية باعتبارها الطرف الذي يبحث عن «حارس جديد»، بل باعتبارها دولة تسعى إلى الانتقال من الاعتماد على ترتيبات أمنية تقودها قوى خارجية إلى امتلاك شبكة من الشراكات التي تمنحها خيارات أوسع. وهذا التحول ينسجم مع الدور الإقليمي المتنامي للمملكة، ومع انتقالها خلال السنوات الأخيرة من موقع المتلقي للتوازنات إلى موقع أكثر نشاطًا في صياغتها.
لكن الشراكة، في المقابل، ليست طريقًا باتجاه واحد. فكلما اتسعت شبكة التحالفات، ازدادت الحاجة إلى إدارة دقيقة للمصالح المتبادلة. فالتعاون مع باكستان يتقاطع مع تعقيدات العلاقة الهندية الباكستانية، والشراكة مع تركيا تجري في بيئة إقليمية ودولية شديدة التشابك. والسؤال ليس ما إذا كانت الرياض ستدخل تلقائيًا في أزمات شركائها، فهذا ليس نتيجة حتمية للاتفاق، وإنما كيف ستحافظ على حرية قرارها وهي توسع التزاماتها وشراكاتها الأمنية؟
وهنا تحديدًا تكمن قيمة التجربة السعودية الجديدة: أن تتحول الشراكات إلى مصدر قوة من دون أن تتحول إلى قيود، وأن يصبح تنويع الحلفاء وسيلة لزيادة الاستقلالية في القرار، لا إعادة إنتاج الاعتماد بصيغة مختلفة.
وقد يفتح الاتفاق، إذا أثبت قدرته على العمل والاستمرار، الباب أمام ترتيبات أمنية إقليمية أوسع. وقد طُرحت بالفعل احتمالات توسع الإطار ليشمل دولًا أخرى، إلا أن ذلك يبقى احتمالًا سياسيًا وليس نتيجة محسومة، ويحتاج إلى توافقات ومصالح مشتركة تتجاوز مجرد التقارب السياسي.
لذلك، فإن القيمة الحقيقية لاتفاق مكة لن تُقاس بحجم الاحتفال بتوقيعه، ولا بعدد الدول التي قد تنضم إليه مستقبلًا، بل بقدرته على إنتاج ردع فعلي، وتنسيق عسكري قابل للتنفيذ، وإدارة الاختلافات بين أعضائه، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني لكل طرف.
لقد بدأت الرياض بالفعل في ارتداء ثوب مختلف: ليس ثوب القطيعة مع الحلفاء التقليديين، ولا ثوب الاستغناء عن الآخرين، بل ثوب الشريك الذي يملك خيارات متعددة ويشارك في صياغة قواعد الأمن الإقليمي.
ويبقى السؤال الذي سيحسم مستقبل هذا التحول: هل تستطيع السعودية أن تحوّل تنوع شراكاتها إلى قوة استراتيجية مستقلة، من دون أن تفقد القدرة على اختيار متى وأين وكيف تستخدم هذه الشراكات؟
هناك، لا في لحظة التوقيع وحدها، سيُكتب ثمن الثوب الجديد… كما ستُقاس قيمته...
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :