كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
جنبلاط يطرق باب «ملاك الموت» وحيداً… رأس أبي المنى لم يكن كافياً والشيخ الصايغ أعاد الأزمة إلى أصلها
لم تكن زيارة وليد جنبلاط للمرجع الروحي الشيخ أنور الصايغ في دارته بمعصريتي لقاءً اجتماعياً عابراً، ولا محطة بروتوكولية ضمن جولة تقليدية على المرجعيات الروحية. فالرجل الذي قصد الدارة هو نفسه الذي شنّ قبل سنوات هجوماً قاسياً على الشيخ الصايغ، ونعته علناً بـ«ملاك الموت»، قبل أن يعود ويسعى عبر وسطاء إلى الاتصال به والاعتذار منه.
ومن يعرف مسيرة جنبلاط يدرك أنه لا يشنّ هجوماً بهذا الحجم على شخصية من دون أن يكون خلفه خلاف على مطلب أو موقف. كما أن استمرار الخصومة المفتوحة لا ينسجم مع براغماتيته السياسية التي أتاحت له، طوال عقود، التنقل بين المواقع والمواقف، ثم العودة إلى الجلوس مع الأشخاص أنفسهم عندما تتغير الظروف وموازين القوى.
من هنا، فإن حصول الزيارة في ذاته يكشف أن جنبلاط وجد نفسه في عنق الزجاجة، وأن أدوات المعالجة السياسية التقليدية لم تعد كافية لضبط التحولات المتسارعة داخل بيئة الموحدين الدروز، ولا سيما في أوساط المشايخ الأجلاء.
من السويداء إلى الشيخ موفق طريف
لم يبدأ الاحتقان من ملف مشيخة العقل وحده، بل تراكمت الاعتراضات على مواقف جنبلاط من أحداث السويداء، ثم تصاعدت بفعل هجومه على الشيخ موفق طريف، وتعمقت مع زياراته إلى الرئيس السوري أحمد الشرع.
وبالنسبة إلى عدد من المشايخ، شكّلت تلك الزيارات الشعرة التي قصمت ظهر البعير، بعدما شعروا بأن مقاربة جنبلاط السياسية لم تراعِ حجم المخاوف والدماء والجرح المفتوح في جبل العرب.
بلغ الغضب حدّ مواجهة جنبلاط شخصياً خلال الجولة التي قام بها على المرجعيات الدينية في محاولة لشرح موقفه. إلا أن الشروحات لم تنجح في تبديد هواجس المشايخ أو وقف انفضاض قسم منهم عنه. وعندما أدرك «البيك» أن الأزمة تجاوزت حدود الاستيعاب السياسي، عاد إلى أسلوبه القديم الجديد: تبديل الموقع، وفتح باب التسوية، وزيارة الرجل الذي سبق أن سمّاه «ملاك الموت».
دخل وحيداً كما اشترط الشيخ
لم يكن قرار الزيارة وحده استثنائياً، بل حملت شروط انعقادها دلالات لا تقل أهمية عن مضمونها.
«رحّب بالبيك… ونهر مرافقيه»
اشترط الشيخ أنور الصايغ على وليد جنبلاط أن يحضر إلى اللقاء بمفرده، في إشارة واضحة إلى أن ما سيُبحث ليس مناسبة اجتماعية، ولا اجتماعاً سياسياً بين وفدين، بل مواجهة صريحة بين الرجلين ومسؤولية لا يمكن توزيعها على المرافقين والمستشارين.
إلا أن جنبلاط أصرّ على اصطحاب عدد من المسؤولين معه. وعندما وصل إلى دارة الشيخ في معصريتي، استقبله الشيخ الصايغ ورحّب به بما يليق بمقام الضيف، لكنه، ما إن رأى مرافقيه، حتى نهرهم وطلب منهم البقاء خارجاً، متمسكاً بالشرط الذي وضعه منذ البداية، قبل أن يدخل جنبلاط وحده إلى اللقاء.
لم يكن تصرف الشيخ انتقاصاً من مقام جنبلاط أو إخلالاً بواجب الضيافة، بل فصلاً واضحاً بين احترام الضيف ورفض أسلوب فرض الأمر الواقع. فقد رحّب بالبيك، لكنه لم يسمح للمسؤولين الذين اصطحبهم بأن يتحولوا إلى وفد سياسي داخل لقاء أراده شخصياً وصريحاً.
دخل جنبلاط إذاً وحيداً، ولكن ليس لأنه جاء كذلك، بل لأن الشيخ الصايغ أعاد مرافقيه عند الباب وفرض قواعد اللقاء داخل دارته. وهذه نقطة تمنح المشهد معناه الكامل: جنبلاط حاول تعديل شرط الزيارة، فيما أصرّ الشيخ على أن يتحمل صاحب القرار مسؤوليته وحده، من دون شهود أو وسطاء أو مظلة سياسية.
في الشكل، كان الشيخ الصايغ هو من وضع قواعد اللقاء داخل دارته. وفي الجوهر، بدا جنبلاط مضطراً إلى خوض الحوار من دون أدوات القوة التي اعتاد اصطحابها إلى لقاءاته السياسية.
الهدية التي حملها جنبلاط
لم يذهب جنبلاط إلى معصريتي خالي الوفاض. أما «الهدية السياسية» التي حملها، فكانت استعداده لتحميل شيخ العقل الشيخ سامي أبي المنى مسؤولية جانب أساسي من الأزمة، بعدما أقرّ بخطئه في تجاوز رأي الهيئة الروحية عند استحقاق مشيخة العقل عام 2021.
وكان التفاهم يقضي بأن تضع الهيئة الروحية لائحة من الأسماء، ليُختار من بينها اسم توافقي. إلا أن اسم الشيخ سامي أبي المنى لم يكن ضمن اللائحة الأصلية، قبل أن يُدفع بترشيحه في نهاية المهلة ويصبح المرشح الوحيد، في خطوة اعتبرتها المرجعيات الدينية يومها تجاوزاً لدورها في شأن يقع في صميم اختصاصها الروحي.
ويشير المصدر إلى أن جنبلاط حاول فتح طريق المصالحة مع المشايخ من خلال تدفيع أبي المنى فاتورة المرحلة، مع إبقاء بنية المجلس المذهبي ومفاصل القرار داخله خارج البحث. وبذلك يكون قد عرض تقديم رأس شيخ العقل سياسياً، من دون التفريط بالمجلس الذي يشكل إحدى أبرز أدوات النفوذ المؤسساتي داخل الطائفة.
لكن الشيخ أنور الصايغ لم يقارب المسألة من زاوية الصفقات، ولم يقبل اختزال الأزمة باسم سامي أبي المنى أو بمصيره.
الصايغ يحتكم إلى الدستور الديني
تعاطى الشيخ الصايغ مع جنبلاط انطلاقاً من الدستور الديني والحكمة الشريفة، لا من زاوية القانون الوضعي أو موازين القوى السياسية داخل المجلس المذهبي. وهي أحكام ومعايير معروفة لدى أبناء طائفة الموحدين الدروز في الداخل والاغتراب.
ومن هذا المنطلق، طالب الشيخ بتوحيد المعايير وتطبيق الأحكام الدينية على الجميع من دون استثناء، بدءاً بإبعاد «المشرّعين» عن المجلس المذهبي. والمقصود، وفق المفهوم الديني، كل من تزوّج من خارج الطائفة.
فلا يستقيم، بحسب هذا المنطق، أن يُستبعد الشخص وفق الأحكام الروحية من بعض الشعائر الدينية، وألا يشارك المشايخ في مأتمه أو يجروا الصلاة عليه، ثم يكون في الوقت نفسه شريكاً في إدارة المؤسسة المذهبية وصناعة قراراتها.
لم يكن طرح الشيخ الصايغ اقتراحاً سياسياً قابلاً للمقايضة، ولا تعديلاً إدارياً محدوداً، بل مطالبة بإعادة المجلس إلى المرجعية الدينية التي يستمد منها اسمه ووظيفته وشرعيته. فإما أن تكون المعايير الدينية واحدة وملزمة للجميع، وإما أن يتحول المجلس المذهبي إلى مؤسسة سياسية تحمل اسماً دينياً.
وهنا انكشف جوهر الخلاف. فجنبلاط، وفق المصدر، كان مستعداً لمناقشة مصير الشيخ سامي أبي المنى وتحميله فاتورة المصالحة، لكنه لم يكن مستعداً لفتح بنية المجلس المذهبي وإخضاعها للمعايير نفسها.
وعليه، دُفن الاقتراح الذي حمله جنبلاط في مهده. فالشيخ الصايغ لم يقبل باستبدال شخص بشخص، فيما تبقى القاعدة المختلة على حالها، ولم يسمح بأن تتحول التضحية بأبي المنى إلى ثمن لإعادة المياه إلى مجاريها، مع بقاء المجلس في القبضة السياسية ذاتها.
أبو المنى والتعيينات الإدارية
ولا تقف الانتقادات الموجهة إلى الشيخ سامي أبي المنى عند ظروف انتخابه. فقد أخذت عليه الهيئة الروحية، وفق المصدر، سياسته في عدد من التعيينات الإدارية والمفاضلة بين أسماء على حساب أخرى وفق معايير أثارت اعتراضات داخلية.
وكان آخر الأسماء التي أُثير حولها النقاش سماح بو ناصر الدين، رئيس المصلحة الاجتماعية بالإنابة في المجلس المذهبي. ولا تكمن دلالة الاسم في صاحبه وحده، بل في الحساسية التي يمثلها داخل نقاش أوسع بشأن المعايير المعتمدة في توزيع المواقع، ومدى التزام الإدارة بالاعتبارات الدينية والمؤسساتية بعيداً عن الحسابات السياسية والعائلية.
ذهب المجلس… سؤال لا اتهام
ويبقى ملف شديد الحساسية يتردد داخل الأوساط الدينية، ويتعلق بكمية من الذهب تعود إلى المجلس المذهبي. وعندما يُطرح السؤال عن مكانها ومصيرها، يأتي الجواب بأنها موجودة في الحفظ والصون.
لا يورد المقال هذا السؤال من باب الاتهام أو التخوين، ولا يطلق حكماً مسبقاً بشأن سلامة حفظ الذهب. لكن أحد المشايخ يطرح معادلة بسيطة مستوحاة من قوله تعالى: « ليطمئن قلبي».
والمطلوب، وفق طرحه، تكليف أحد مشايخ اللفات المدورية بمعاينة الذهب وتوثيق وجوده، بما يقفل هذا الملف نهائياً ويمنع تحوله إلى مادة للشائعات أو الاستغلال السياسي.
فالشفافية هنا لا تدين أحداً، بل تحمي المجلس وسمعة القائمين عليه، وتبدد الشكوك بأقصر الطرق وأكثرها وضوحاً.
من زار من؟
في الصورة، وليد جنبلاط هو الذي زار الشيخ أنور الصايغ. أما في المعنى، فقد عاد السياسي إلى المرجعية الدينية بعدما اكتشف أن النفوذ السياسي، مهما اتسع، لا يكفي وحده لإنتاج الشرعية الروحية.
دخل جنبلاط إلى دارة الشيخ الصايغ وحيداً، كما اشترط صاحب الدار، حاملاً ما ظنه مفتاحاً للتسوية، وربما رأس الشيخ سامي أبي المنى ثمناً لإعادة المياه إلى مجاريها. لكنه خرج من دون أن تُقبل هديته السياسية.
لم يُسمح للوفد بالدخول، ولم يُسمح لأبي المنى بأن يتحول إلى ضحية تغطي بقاء الخلل. فالشيخ الذي وصفه جنبلاط يوماً بـ«ملاك الموت» أعاده هذه المرة إلى أصل الحياة الدينية: لا تسوية على حساب الحكمة، ولا رأس يُقدَّم ثمناً لإبقاء القرار المذهبي في قبضة السياسة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :