رغم الاعتقاد الشائع بأن السجائر الإلكترونية أقل ضرراً من السجائر التقليدية، تكشف أبحاث طبية متزايدة أن استنشاق رذاذها ليس آمناً، وأن غياب احتراق التبغ لا يعني غياب المواد السامة أو المخاطر الصحية.
والقاعدة العلمية الأدق هي أن السجائر الإلكترونية قد تعرّض المدخن البالغ الذي ينتقل إليها بصورة كاملة لمواد سامة أقل من تلك الموجودة في دخان السجائر المحترقة، لكنها ليست منتجاً صحياً أو خالياً من الضرر، ولا ينبغي لغير المدخنين والأطفال والمراهقين البدء باستخدامها.
ماذا يستنشق المستخدم فعلياً؟
ما يخرج من السيجارة الإلكترونية ليس مجرد «بخار ماء»، بل رذاذ ينتج عن تسخين سائل يحتوي عادةً على النيكوتين والبروبيلين غليكول والغليسرين والمنكهات ومواد أخرى.
وتؤكد المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها أن هذا الرذاذ قد يحتوي على جزيئات دقيقة قادرة على الوصول إلى عمق الرئتين، ومواد كيميائية مسببة للسرطان، ومركبات عضوية متطايرة، ومعادن ثقيلة مثل النيكل والقصدير والرصاص. كما أظهرت الاختبارات أن بعض المنتجات التي تُسوّق بوصفها «خالية من النيكوتين» احتوت فعلياً على هذه المادة.
ولا تبقى مكونات السائل ثابتة عند تسخينها، إذ يمكن أن تنتج عن درجات الحرارة المرتفعة مركبات جديدة، بينها الفورمالديهايد والأسيتالديهيد والأكرولين، وهي مواد ترتبط بالتهاب الأنسجة وإتلاف الخلايا والأوعية الدموية.
الرئتان في مواجهة التهاب مستمر
يرتبط استخدام السجائر الإلكترونية بالسعال والصفير وضيق التنفس وتهيّج الشعب الهوائية وزيادة الالتهابات التنفسية لدى بعض المستخدمين.
وفي مراجعة علمية نُشرت عام 2025 وشملت 119 دراسة، ظهر أن غير المدخنين الذين يستخدمون السجائر الإلكترونية كانوا أكثر عرضة لظهور أعراض تنفسية مقارنة بمن لم يستخدموها. كما رُصدت أدلة بدرجات متفاوتة على زيادة التهاب الرئة وأعراض الربو والانسداد الرئوي، إلا أن الباحثين شددوا على أن اليقين العلمي بشأن بعض الأمراض المزمنة لا يزال محدوداً بسبب حداثة هذه المنتجات وصعوبة فصل تأثيرها عن تاريخ التدخين السابق.
وتكمن المشكلة في أن بعض الأضرار الرئوية لا تظهر فوراً. فقد يحتاج الالتهاب المزمن وتراجع كفاءة الرئة إلى سنوات قبل أن يتحولا إلى مرض واضح، ولذلك لا يمكن اعتبار غياب الأعراض الحالية دليلاً على سلامة الاستخدام.
القلب والأوعية الدموية
لا تتوقف التأثيرات عند الرئتين. فالنيكوتين مادة شديدة الإدمان ترفع معدل ضربات القلب وضغط الدم، وتؤدي إلى انقباض الأوعية وتنشيط الجهاز العصبي المسؤول عن استجابة التوتر.
وأظهرت دراسات ممولة من المعاهد الوطنية الأميركية للصحة أن الاستخدام المزمن للسجائر الإلكترونية يرتبط بضعف وظيفة الأوعية الدموية، ما قد يزيد احتمالات الإصابة بأمراض القلب مع مرور الوقت. كما رصدت دراسات تغيرات مباشرة بعد التدخين الإلكتروني في ضغط الدم ونبض القلب وقدرة الشرايين على التمدد.
وفي حزيران 2026، حذرت جمعية القلب الأميركية من تراكم الأدلة التي تربط المواد الكيميائية الموجودة في رذاذ السجائر الإلكترونية، ومنها الفورمالديهايد والمعادن الثقيلة، بمخاطر تطال القلب والجهاز التنفسي. لكنها أوضحت أيضاً أن تقدير حجم الخطر البعيد المدى يحتاج إلى دراسات أطول.
النيكوتين والدماغ الشاب
يمثل المراهقون الفئة الأكثر عرضة للخطر، لأن الدماغ يستمر في التطور حتى منتصف العشرينيات تقريباً. وقد يؤثر النيكوتين في المناطق المرتبطة بالانتباه والتعلم والمزاج وضبط الاندفاع، كما يهيئ الدماغ للاعتماد والإدمان.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن المنكهات والتصاميم الجذابة والتسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي جعلت السجائر الإلكترونية أكثر قبولاً لدى الأطفال والشباب، بينما تسمح أملاح النيكوتين المستخدمة في بعض الأجهزة باستنشاق كميات مرتفعة من النيكوتين من دون الشعور بالخشونة القوية التي ترافق السجائر التقليدية.
أما خلال الحمل، فقد يؤدي التعرض للنيكوتين إلى الإضرار بنمو الجنين، ولذلك لا تُعد السجائر الإلكترونية خياراً آمناً للحوامل.
هل تساعد على الإقلاع عن التدخين؟
هذه النقطة تحتاج إلى دقة بعيداً عن التهويل والإنكار.
وجدت مراجعة حديثة لمؤسسة «كوكرين» أن السجائر الإلكترونية المحتوية على النيكوتين قد تساعد بعض المدخنين البالغين على التوقف عن السجائر التقليدية لمدة لا تقل عن ستة أشهر، وربما تكون أكثر فاعلية لدى بعضهم من بدائل النيكوتين التقليدية.
لكن الفائدة المحتملة ترتبط بالانتقال الكامل بعيداً عن السجائر المحترقة، لا باستخدام النوعين معاً. فالجمع بين السجائر التقليدية والإلكترونية قد يبقي التعرض للسموم مرتفعاً، ولا يحقق الانخفاض المتوقع في الضرر.
كما أن قدرة السجائر الإلكترونية على المساعدة في الإقلاع لا تجعلها مناسبة لغير المدخنين أو المراهقين، ولا تلغي احتمال استمرار الاعتماد على النيكوتين لسنوات.
مخاطر إضافية لا تتعلق بالدخان
سجلت الجهات الصحية حالات تسمم نتيجة ابتلاع سوائل السجائر الإلكترونية أو ملامستها للجلد والعينين، خصوصاً لدى الأطفال. كما وقعت حوادث حروق وإصابات بسبب اشتعال البطاريات أو انفجار الأجهزة ورداءة التصنيع.
وتحذر إدارة الغذاء والدواء الأميركية من أن السجائر الإلكترونية قد ترتبط بإصابات رئوية وأعراض عصبية وحوادث حرائق وانفجارات، مؤكدة أن اعتبارها أقل خطراً لبعض المدخنين البالغين لا يعني أنها خالية من المخاطر.
السجائر التقليدية تبقى أشد فتكاً بسبب احتراق التبغ وإنتاج القطران وأول أكسيد الكربون وآلاف المواد الكيميائية، لكن المقارنة بمنتج بالغ الخطورة لا تجعل السجائر الإلكترونية آمنة.
المعادلة العلمية واضحة: قد تكون السجائر الإلكترونية أقل ضرراً من السجائر التقليدية للمدخن البالغ إذا استبدلها بها بصورة كاملة، لكنها أكثر ضرراً بكثير من عدم التدخين، ولا تزال آثارها الممتدة لعقود غير معروفة بالكامل.
فالخطر لا يختفي عندما يتحول الدخان إلى رذاذ، والإدمان لا يصبح آمناً لمجرد أن الجهاز يحمل نكهة جذابة ورائحة أقل إزعاجاً.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :