تقرير خاص ICONNEWS
الخلاصة المباشرة: سوريا لا تعيش اليوم حرباً أهلية شاملة كالتي عرفتها بعد عام 2011، لكنها بعيدة جداً عن الاستقرار. السلطة الجديدة برئاسة أحمد الشرع نجحت في توسيع سيطرتها على معظم الجغرافيا السورية، ولا سيما بعد إضعاف «قوات سوريا الديمقراطية» في الشمال الشرقي، لكنها ما زالت تواجه أربع قنابل قابلة للانفجار: السويداء، الاحتقان في الساحل، الخلايا الجهادية، والاحتلال الإسرائيلي المتوسع في الجنوب.
بكلمات أكثر دقة: دمشق تربح الأرض، لكنها لم تربح بعد ثقة جميع السوريين، ولم تستعد القرار السيادي الكامل.
خريطة النفوذ الحالية
| المنطقة | الوضع الفعلي |
| ------------------------------------------------ | ------------------------------------------------------------------------------------------ |
| دمشق، حلب، الساحل، الوسط، إدلب، الرقة ودير الزور | تحت سيطرة الحكومة السورية بدرجات متفاوتة |
| الحسكة والقامشلي وكوباني | ترتيبات دمج متدرّجة بين الدولة و«قسد»، مع بقاء نفوذ كردي محلي وسلاح لم يُحسم مصيره نهائياً |
| السويداء | خارج السيطرة الأمنية الفعلية لدمشق، وتديرها فصائل درزية وسلطات محلية متنافسة |
| القنيطرة والمنطقة العازلة وجبل الشيخ | وجود واحتلال إسرائيليان وعمليات توغل واعتقال وقصف متكرر |
| البادية السورية | انتشار أمني حكومي مع استمرار نشاط خلايا تنظيم «داعش» |
| طرطوس وحميميم | انتقال تدريجي للسيادة الإدارية السورية مع بقاء تعاون عسكري وتدريبي محدود مع روسيا |
1. من يحكم سوريا الآن؟
أحمد الشرع هو رئيس المرحلة الانتقالية، بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024. وقد بُني النظام السياسي الانتقالي على إعلان دستوري يحدد مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، لكنه يمنح الرئاسة سلطات واسعة جداً، ما يثير مخاوف من انتقال سوريا من مركزية أمنية قديمة إلى مركزية رئاسية جديدة بصيغة مختلفة.
في تموز 2026، انعقد أول مجلس شعب بعد سقوط الأسد. يتألف المجلس من 210 أعضاء؛ اختير ثلثاه عبر هيئات انتخابية محلية، بينما عيّن الشرع 70 عضواً بصورة مباشرة. وتمتلك المؤسسة التشريعية صلاحيات محدودة ضمن نظام تتركز فيه القوة التنفيذية بيد الرئيس. كما لم تُستكمل التمثيلات الانتخابية الطبيعية للسويداء بسبب خروج المحافظة عن سيطرة الدولة.
المشكلة ليست في وجود مؤسسات انتقالية فقط، بل في مدى استقلالها. فالمجلس لم يأتِ نتيجة انتخابات عامة مباشرة، والجيش والأمن أعيد تشكيلهما بصورة أساسية من فصائل مسلحة سابقة، والقضاء الانتقالي لم يثبت بعد قدرته على محاسبة القيادات، لا الأفراد الصغار وحدهم.
التقدير المهني: الشرع نجح في بناء «سلطة أمر واقع معترف بها دولياً»، لكنه لم ينجز بعد بناء «دولة مواطنة متوافق عليها داخلياً».
2. ماذا جرى مع «قسد» والشمال الشرقي؟
كان الشمال الشرقي أخطر تحدٍ عسكري يواجه دمشق. ففي آذار 2025، وقّع الشرع ومظلوم عبدي اتفاقاً أولياً يقضي بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية داخل الدولة، بما يشمل المعابر والمطار وحقول النفط والغاز. لكن الخلاف حول شكل الدمج، والقيادة العسكرية، واللامركزية، والسلاح الثقيل، عطّل التنفيذ.
في كانون الثاني 2026، انتقلت دمشق من الضغط السياسي إلى الهجوم العسكري. تقدمت القوات الحكومية في مناطق واسعة كانت خاضعة لـ«قسد»، وسيطرت على الرقة ودير الزور ومناطق استراتيجية في شرق حلب والحسكة، ما غيّر ميزان القوى بصورة جذرية.
في 30 كانون الثاني، تم التوصل إلى اتفاق جديد برعاية أميركية ينص على وقف إطلاق النار ودمج متسلسل للقوات والإدارات. ووفق نص اطلعت عليه رويترز، يفترض تشكيل فرقة عسكرية خاصة بالشمال الشرقي، ودمج مقاتلي «قسد» ضمن ثلاثة ألوية، إضافة إلى إدخال قوات أمن حكومية محدودة إلى الحسكة والقامشلي.
لكن الملفات الأساسية لم تُحسم بصورة كاملة:
مصير الأسلحة الثقيلة التابعة لـ«قسد».
الجهة التي ستعين قادة التشكيلات العسكرية المدمجة.
مستقبل الإدارة الذاتية والمجالس المحلية.
السيطرة النهائية على الحدود مع العراق.
الضمانات الدستورية للهوية واللغة والحقوق الكردية.
وحدة الأراضي السورية أصبحت أقرب من الناحية العسكرية، لكن الدمج السياسي والاجتماعي لا يزال هشاً. وإذا حاولت دمشق تحويل الاتفاق إلى استسلام كامل، فقد تتجدد المواجهة. أما إذا حصل الأكراد على إدارة محلية وضمانات دستورية ضمن الدولة، فيمكن إغلاق أخطر جبهة داخلية.
المستفيد الأكبر من تراجع «قسد» هو تركيا، التي عارضت دائماً قيام كيان كردي مسلح على حدودها. والخاسر الأكبر هو مشروع الإدارة الذاتية بصيغته السابقة، إضافة إلى النفوذ الأميركي المباشر في شرق سوريا.
3. السويداء: المحافظة التي لا تحكمها دمشق
السويداء هي العقدة الأخطر حالياً. ففي تموز 2025، اندلعت مواجهات بين فصائل درزية ومجموعات من العشائر البدوية، ثم دخلت قوات حكومية وفصائل مساندة لها، فتحولت الاشتباكات إلى أعمال عنف واسعة ذات طابع طائفي.
توصل تحقيق أممي إلى أن أكثر من 1700 شخص قُتلوا، معظمهم من المدنيين الدروز إلى جانب ضحايا من البدو، وأن قرابة 200 ألف شخص نزحوا. وخلص التحقيق إلى احتمال ارتكاب جرائم حرب من جانب قوات حكومية ومقاتلين عشائريين وفصائل درزية، بما يشمل عمليات قتل وتعذيب ونهب واعتداءات على المدنيين.
في أيلول 2025، وضعت دمشق وواشنطن وعمّان خريطة طريق تشمل إعادة الخدمات، وتأمين الطرق بقوات محلية، وإطلاق المعتقلين، وكشف مصير المفقودين، وتعويض المتضررين، ومحاسبة المسؤولين. لكن الأمم المتحدة أعلنت في حزيران 2026 أنه لم يُسجل أي تقدم فعلي في تنفيذ الخطة. ولا تزال عمليات الخطف والخطف المضاد والانقسامات بين القوى الدرزية قائمة.
نفذت الحكومة والفصائل الدرزية في شباط عملية تبادل أُطلق بموجبها 61 معتقلاً درزياً مقابل 25 عنصراً حكومياً، إلا أن المحافظة بقيت خارج السيطرة الأمنية لدمشق.
الأخطر أن إسرائيل دخلت على خط الأزمة تحت عنوان «حماية الدروز»، ونفذت غارات على القوات السورية ووزارة الدفاع ومقار حكومية. وفي المقابل، رفعت بعض المجموعات الدرزية شعارات انفصالية، بينما رفضت مجموعات أخرى التقسيم والتدخل الإسرائيلي.
التقدير: السويداء ليست مشروع انفصال متكاملاً حتى الآن، لأن القوى الدرزية نفسها غير موحدة، لكنها أصبحت منطقة حكم محلي مسلح، وأي محاولة عسكرية متسرعة من دمشق قد تعيد تفجير مجزرة أوسع وتمنح الاحتلال الإسرائيلي ذريعة إضافية للتدخل.
4. تفجير جرمانا: إنذار بأن النار تقترب من دمشق
في 6 آب 2026، انفجرت عبوة ناسفة داخل حافلة ركاب في مدينة جرمانا ذات الغالبية الدرزية قرب دمشق. الحصيلة الرسمية المصححة بلغت 14 جريحاً، بينهم ثلاثة في حالة حرجة، من دون وفيات. وكانت وزارة الصحة قد أعلنت في البداية سقوط قتيلين قبل أن توضح أن الأشلاء التي عُثر عليها تعود إلى مصابين كانوا لا يزالون أحياء ويخضعون للجراحة.
أهمية التفجير ليست في حصيلته وحدها، بل في موقعه وتوقيته. جرمانا تقع عند باب العاصمة، وتضم خليطاً سكانياً حساساً. واستهداف حافلة مدنية فيها قد يكون هدفه إعادة إشعال الاحتقان السني الدرزي ونقل أزمة السويداء إلى محيط دمشق.
حتى الآن، لا توجد نتيجة تحقيق رسمية معلنة تحدد الجهة المنفذة بصورة قاطعة. لذلك، أي اتهام مباشر لإسرائيل أو «داعش» أو فلول النظام السابق يبقى سياسياً وغير مثبت.
5. الساحل والطائفة العلوية
في آذار 2025، شن مسلحون مرتبطون بضباط ومجموعات موالية للنظام السابق هجمات على قوات الأمن في الساحل. وردت القوات الحكومية وفصائل مساندة لها بعملية واسعة تحولت في مناطق عدة إلى أعمال قتل انتقامية بحق مدنيين علويين.
قدرت لجان وتحقيقات مستقلة عدد الضحايا بأكثر من 1400 شخص. ووجدت لجنة التحقيق الأممية أن أعمال العنف ضد المدنيين كانت واسعة ومنهجية، وشملت قتلاً ونهباً وإحراق ممتلكات وانتهاكات أخرى، لكنها قالت إنها لم تجد دليلاً يثبت أن القيادة المركزية في دمشق أصدرت أوامر مباشرة بتنفيذ المجازر. كما وثقت اللجنة انتهاكات ارتكبتها مجموعات موالية للنظام السابق.
بدأت في تشرين الثاني 2025 محاكمات علنية لبعض المتهمين من الطرفين، وهي خطوة غير مسبوقة مقارنة بعهد الأسد. لكن منظمات حقوقية ترى أن الاختبار الحقيقي ليس محاكمة المنفذين الصغار، بل الوصول إلى المسؤولين عن القيادة والتوجيه والسماح للفصائل بالتحرك من دون ضبط.
الساحل اليوم تحت سيطرة الدولة، لكنه ليس مستقراً اجتماعياً. الخوف لدى العلويين، ونشاط شبكات مرتبطة بالنظام السابق، وضعف الثقة بالأجهزة الجديدة، تجعل المنطقة قابلة لعودة الاغتيالات والكمائن والانتقام الجماعي.
6. الاحتلال الإسرائيلي: أخطر انتقاص من السيادة السورية
منذ سقوط الأسد، احتلت القوات الإسرائيلية المنطقة الفاصلة التي تشرف عليها الأمم المتحدة، وسيطرت على مواقع استراتيجية في الجانب السوري من جبل الشيخ، وأنشأت نقاطاً عسكرية ونفذت توغلات واعتقالات في قرى القنيطرة ودرعا وريف دمشق الجنوبي الغربي.
الأمم المتحدة تعتبر هذا الوجود والانتهاكات المتكررة خرقاً لاتفاق فصل القوات لعام 1974. وجدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، خلال زيارته دمشق في تموز 2026، مطالبته باحترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها ووقف الانتهاكات الإسرائيلية.
لكن إسرائيل لا تتعامل مع وجودها بوصفه إجراءً مؤقتاً. فهي تطالب بمنطقة منزوعة السلاح تمتد من جبل الشيخ باتجاه دمشق، وتريد منع بناء جيش سوري قوي أو نشر أسلحة ثقيلة في الجنوب. كما تستخدم شعار حماية الدروز ورقة ضغط لإبقاء السويداء بعيدة عن سلطة دمشق.
في المقابل، أعلن الشرع أن سوريا تسعى إلى اتفاق أمني مع إسرائيل يمكن أن يمهد مستقبلاً لتسوية أشمل، لكنه قال إن ذلك لن يكون على حساب الحق السوري في الجولان المحتل.
المشهد هنا واضح: دمشق لا تملك القدرة العسكرية على مواجهة إسرائيل، لذلك تحاول استخدام الولايات المتحدة والدول العربية والأمم المتحدة للضغط من أجل العودة إلى ترتيبات 1974. أما إسرائيل فتستغل ضعف سوريا لتثبيت وقائع ميدانية جديدة قبل توقيع أي اتفاق.
7. هل انتهى تنظيم «داعش»؟
لا. التنظيم لم يعد يسيطر على مدن أو أراضٍ واسعة، لكنه لا يزال يمتلك خلايا قادرة على تنفيذ اغتيالات وتفجيرات وكمائن، خصوصاً في البادية وبين دير الزور وحمص والرقة.
الخطر تضاعف خلال هجوم كانون الثاني 2026 على مناطق «قسد». فقد انهارت الحراسة في مخيم الهول وبعض السجون ومراكز الاحتجاز، وغادر آلاف الأشخاص المخيم في ظروف غير منظمة. ووفق تقرير أميركي رسمي، قد يكون ما يصل إلى 20 ألف شخص قد غادروا مخيم الهول من دون رقابة كاملة، قبل إغلاقه في شباط. كما جرى نقل أعداد من معتقلي «داعش» إلى العراق لمحاكمتهم ومنع فرارهم.
لا يعني كل من غادر المخيم أنه عضو في التنظيم، لكن انهيار منظومة المراقبة منح الخلايا فرصة لإعادة بناء شبكاتها. وسلسلة التفجيرات الأخيرة في دمشق وريفها تؤكد وجود ثغرات أمنية، حتى عندما لا تكون هوية المنفذين معروفة.
8. الولايات المتحدة: من التحالف مع «قسد» إلى الرهان على دمشق
شهد الموقف الأميركي انقلاباً استراتيجياً. واشنطن التي اعتمدت لسنوات على «قسد» في محاربة «داعش»، انتقلت تدريجياً إلى التعامل مع حكومة الشرع بوصفها السلطة القادرة على توحيد سوريا.
انسحبت القوات الأميركية من قاعدة التنف في شباط 2026 وسلمتها للقوات السورية، وبدأت الانسحاب من قاعدة قسرك في الحسكة، ضمن تقليص أوسع للوجود العسكري. لكن واشنطن أبقت لنفسها حق التدخل ضد «داعش» إذا ظهر تهديد مباشر.
كما رفعت الولايات المتحدة معظم العقوبات الاقتصادية، بينما لا يزال شطب سوريا نهائياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب خاضعاً لمسار قانوني وسياسي أميركي. وتضغط واشنطن مقابل ذلك في ملفات محاربة «داعش»، ومنع عودة النفوذ الإيراني، وضبط الحدود مع لبنان، والتفاوض الأمني مع إسرائيل.
هذا يعني أن الشرع خرج من العزلة الدولية، لكن الانفتاح الأميركي ليس مجانياً؛ إنه يعيد توجيه موقع سوريا من المحور الإيراني الروسي إلى شبكة نفوذ أميركية تركية خليجية.
9. روسيا وإيران وحزب الله: نهاية المرحلة القديمة
روسيا لم تُطرد كلياً من سوريا، لكنها فقدت موقعها المهيمن. وفي 9 آب 2026، أعلنت دمشق وموسكو مذكرة تفاهم تعيد للدولة السورية إدارة المنشآت المدنية في مطار حميميم والرصيف التجاري في مرفأ طرطوس، على أن تتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، وتكتمل العملية خلال ثلاثة أشهر.
هذا ليس قطعاً للعلاقات مع موسكو، بل تحويلها من علاقة وصاية عسكرية إلى شراكة محدودة تخضع أكثر للسيادة السورية.
أما إيران وحزب الله فهما الخاسران الأكبر. سقط الممر الاستراتيجي الذي كان يربط طهران بالعراق وسوريا ولبنان، وأصبحت الحكومة السورية الجديدة خصماً سياسياً وأمنياً لحزب الله، بعد سنوات من قتال الحزب إلى جانب الأسد.
لكن شبكات التهريب لم تختفِ كلياً. فقد أعلنت دمشق في تموز إحباط شحنة أسلحة مخبأة في صهريج قادمة من العراق وموجهة، وفق الرواية السورية، إلى حزب الله. ولا توجد مؤشرات إلى عودة عسكرية إيرانية منظمة، لكن محاولات تشغيل شبكات قديمة ستستمر على الأرجح.
10. الاقتصاد: الانفتاح بدأ… لكن الانهيار أعمق
رفع العقوبات وتحسن العلاقات الخارجية لا يعنيان أن السوريين أصبحوا يعيشون بصورة طبيعية.
البنك الدولي يقدّر كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، فيما تبلغ الأضرار المباشرة في المباني والبنية التحتية قرابة 108 مليارات دولار. وانخفض الناتج المحلي من نحو 67.5 مليار دولار عام 2011 إلى ما يقارب 21.4 ملياراً في 2024.
هناك مؤشرات تحسن محدودة:
ارتفعت حصة الحكومة من إنتاج النفط السوري من نحو 20 في المئة إلى 88 في المئة بعد استعادة حقول الشرق.
تراجع التضخم بصورة كبيرة مقارنة بعام 2024.
عادت حركة المرافئ والطيران والاستثمارات السياحية جزئياً.
وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 146 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء.
سددت السعودية وقطر متأخرات سوريا لدى البنك الدولي، ما أعاد فتح باب التمويل.
لكن المشكلات البنيوية ما زالت هائلة: نقص الكهرباء، البطالة، الدمار، ضعف المصارف، نقص السيولة، تهالك المدارس والمستشفيات، عدم وضوح ملكيات العقارات، وعودة أعداد كبيرة من النازحين إلى مناطق لا توجد فيها مساكن أو خدمات.
11. الوضع الإنساني والعودة
وفق الأمم المتحدة، يحتاج نحو 15.6 مليون شخص داخل سوريا إلى نوع من المساعدة الإنسانية، بينهم أكثر من 5.5 ملايين نازح داخلياً.
وفي المقابل، قدّرت مفوضية اللاجئين أن نحو 1.75 مليون سوري عادوا من الخارج منذ سقوط الأسد وحتى 23 تموز 2026.
العودة تحمل دلالتين متناقضتين: الأولى أن سقوط النظام وإنهاء كثير من الجبهات أعادا الأمل إلى شريحة كبيرة من السوريين؛ والثانية أن عودة الملايين إلى بلد مدمر قد تتحول إلى أزمة اجتماعية إذا لم تتوافر المنازل وفرص العمل والمياه والكهرباء والتعليم.
كما لا يزال ملف المفقودين والمعتقلين أحد أعمق الجروح. تقدّر منظمات حقوقية أن أكثر من 100 ألف شخص اختفوا خلال سنوات حكم الأسد والحرب، ولم تبدأ بعد عملية شاملة تكشف مصيرهم وتحدد مواقع المدافن وتعيد الحقوق إلى العائلات.
ماذا يجري الآن تحديداً؟
خلال الأسابيع الأخيرة، تحركت أربعة ملفات في وقت واحد:
في 12 تموز انعقد أول برلمان انتقالي، ما منح السلطة إطاراً مؤسسياً لكنه لم يحل مشكلة التمثيل.
في 25 و26 تموز زار غوتيريش دمشق، بينما أعلن الشرع سعيه إلى اتفاق أمني مع إسرائيل.
في 6 آب استهدفت عبوة حافلة ركاب في جرمانا، في إنذار أمني وطائفي خطير قرب العاصمة.
في 9 آب تم الاتفاق على إعادة تنظيم الوجود الروسي في طرطوس وحميميم لمصلحة سيادة سورية أوسع.
لا توجد حتى الآن مؤشرات مؤكدة إلى بدء حرب سورية شاملة جديدة، لكن التوترات المحلية مترابطة: تفجير في جرمانا قد يشعل السويداء، وتصعيد في السويداء قد يستدعي تدخلاً إسرائيلياً، وضغط عسكري على الأكراد قد يعيد «قسد» إلى المواجهة، وانفلات أمني في الشرق قد يمنح «داعش» فرصة جديدة.
الحكم الاستراتيجي النهائي
أحمد الشرع هو الرابح السياسي والعسكري الأكبر حتى الآن. فقد وسّع سلطة دمشق، وقلّص مشروع الحكم الكردي، وأخرج إيران وحزب الله من مركز المعادلة، وحدّ من الوجودين الأميركي والروسي، وفتح أبواب واشنطن وأوروبا والخليج.
لكن هذا النجاح لا يزال قابلاً للانقلاب، لأن القوة العسكرية لا تعالج أزمة الثقة.
إذا نجحت دمشق في تقديم ضمانات دستورية للأكراد، وتسوية سياسية للسويداء، ومحاسبة حقيقية لمرتكبي مجازر الساحل والجنوب، فقد تتحول السلطة الحالية إلى دولة مستقرة.
أما إذا اختارت المركزية الصلبة، وغطّت تجاوزات الفصائل، وأخضعت المناطق بالقوة، فستعود سوريا إلى دورة التمرد والانقسام، مع فارق خطير هو وجود احتلال إسرائيلي مباشر في الجنوب وخلايا «داعش» في الداخل.
الخلاصة الأشد وضوحاً: سوريا خرجت من حكم الأسد، لكنها لم تخرج بعد من زمن الحرب. الدولة تستعيد الجغرافيا، بينما معركة السيادة والعدالة والثقة الوطنية لم تبدأ فعلياً إلا الآن.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :