ايكون نيوز
شهدت مدينة سبتة، الخاضعة للإدارة الإسبانية في شمال أفريقيا، ابتداءً من 30 تموز 2026 واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي التي عرفتها الحدود المغربية الإسبانية في تاريخها الحديث، بعدما تدفق عشرات الآلاف نحو المدينة برًا وبحرًا خلال ساعات.
وأعلنت وزارة الداخلية الإسبانية في حصيلتها الأولية أن نحو 50 ألف شخص دخلوا سبتة منذ صباح الخميس 30 تموز، فيما قدّر رئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس العدد بنحو 60 ألفًا خلال يومين. ولاحقًا، تحدثت الحكومة الإسبانية عن حصيلة تراكمية بلغت قرابة 72 ألف عابر.
وجرت عمليات الدخول عبر البر والبحر، خصوصًا في محيط معبر تاراخال والمناطق الساحلية القريبة، بعدما تجاوز حجم الحشود قدرة الأجهزة الأمنية على الاحتواء خلال الساعات الأولى. ولا تتوافر معطيات رسمية تثبت أن غالبية العابرين وصلوا سباحة، لذلك يبقى الأدق القول إن العبور حصل برًا وبحرًا.
حصيلة بشرية متحركة
ارتفعت حصيلة الضحايا بسرعة مع استمرار عمليات البحث. ففي 2 آب، أعلنت السلطات الإسبانية وصول عدد الضحايا على جانب سبتة إلى 72، فيما أعلنت وزارة الداخلية المغربية تسجيل 11 وفاة على الأراضي المغربية.
وفي 6 آب، قال رئيس حكومة سبتة خلال اجتماع برلماني أوروبي إن نحو مئة شخص لقوا حتفهم خلال موجة العبور. ويُعد هذا الرقم تقديرًا محليًا أحدث من الحصيلة الإسبانية السابقة، في ظل استمرار عمليات البحث والتعرف إلى الضحايا.
وتجمعت عائلات مغربية في مدينة الفنيدق القريبة من الحدود، حاملة صور مفقودين ومطالبة بمعلومات عن مصيرهم. كما استعانت السلطات الإسبانية بفرق إضافية من الشرطة والخبراء لتسريع إجراءات التعرف إلى الضحايا.
مراكز الإيواء تتجاوز قدرتها
كشفت الأزمة هشاشة البنية المخصصة لاستقبال المهاجرين في سبتة. فمركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين المعروف باسم CETI، والمصمم لاستيعاب نحو 512 شخصًا، كان يؤوي أكثر من 700 في 2 آب، بينما انتظر أكثر من ألف شخص خارجه، واضطر كثيرون إلى البقاء في العراء والمناطق المحيطة.
أما الأزمة الأخطر فتتعلق بالقاصرين غير المصحوبين. فقد أعلنت وزيرة الشباب الإسبانية سيرا ريغو في 7 آب تسجيل 1342 قاصرًا في سبتة، مؤكدة أن الحكومة ستبدأ نقل عدد منهم إلى البر الإسباني خلال أسابيع، مع إعطاء الأولوية للفتيات وللأطفال دون سن الثالثة عشرة.
وقال رئيس حكومة سبتة إن منشآت المدينة المخصصة للقاصرين لا تستوعب أكثر من نحو 90 طفلًا بصورة اعتيادية، بينما أصبحت السلطات المحلية مسؤولة عن قرابة 1100 قاصر غير مصحوب. وأظهرت تقارير صحافية أطفالًا ينامون في أماكن عامة، ما دفع الحكومة إلى فتح مدرستين بصورة مؤقتة ودراسة تخصيص منشآت إضافية للإيواء.
وتبقى أعداد القاصرين غير نهائية، إذ أعلنت حكومة سبتة في 8 آب أنها ستجري إحصاءً جديدًا بعد إقرارها بعدم امتلاك رقم نهائي ودقيق لجميع الأطفال الذين دخلوا خلال الأزمة.
التضليل الرقمي وشبكات التهريب
قالت وزارة الداخلية المغربية إن موجة العبور لم تكن عفوية بالكامل، وربطتها بمعلومات مضللة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبنشاط شبكات الاتجار بالبشر، وسوء تفسير حكم قضائي إسباني يتعلق بإعادة المهاجرين الذين يصلون بحرًا.
كما وثّقت وكالة رويترز تداول مقطع قديم يعود إلى أزمة سبتة عام 2021 على أنه يُظهر فتح الحدود في تموز 2026، وهو ما ساهم في زيادة التضليل المحيط بالأزمة.
في المقابل، أفادت تقارير إسبانية، نقلًا عن تقديرات استخبارية، بأن الرباط لم تخطط لعملية العبور، لكنها ربما سمحت بحدوثها بعد تخفيف الرقابة على الحدود. وتبقى هذه الخلاصة اتهامًا منسوبًا إلى تقارير استخبارية وإعلامية، وليست حقيقة قضائية مثبتة.
الاستجابة الإسبانية والأوروبية
دفعت مدريد بوحدات إضافية من الشرطة والحرس المدني والجيش، وأقامت حاجزًا بحريًا عائمًا بطول نحو 500 متر للحد من محاولات العبور عبر المياه.
وأدت الأزمة إلى توتر أوروبي، إذ أعادت إيطاليا فرض عمليات تدقيق مؤقتة وانتقائية على القادمين من إسبانيا، ولا سيما غير الأوروبيين عبر المطارات والموانئ، ضمن الإجراءات الاستثنائية التي تسمح بها قواعد شنغن. وردّت مدريد لاحقًا بإجراءات مماثلة على القادمين من إيطاليا.
كما عززت فرنسا مراقبة حدودها مع إسبانيا، فيما دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى تقوية الحدود الخارجية للاتحاد، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، ومواجهة شبكات التهريب والتضليل الرقمي.
أين تقف الأزمة الآن؟
قال وزير الداخلية الإسباني إن نحو 70 ألفًا من أصل 72 ألف شخص عادوا إلى المغرب خلال الأيام التالية للعبور. وأفاد عدد من العائدين لوكالة رويترز بأن نقص الغذاء وانعدام فرص الانتقال إلى البر الإسباني كانا من أسباب عودتهم، لكن لا يمكن تعميم هذا السبب على جميع العائدين.
وفي 6 آب، قدّر رئيس حكومة سبتة أن ما بين ثلاثة وخمسة آلاف مهاجر ما زالوا داخل المدينة. ويعكس الاختلاف بين الأرقام صعوبة إجراء إحصاء دقيق وسط التحركات السريعة ووجود أشخاص خارج مراكز الاستقبال الرسمية.
قراءة تحليلية
ما جرى في سبتة ليس مجرد حادث حدودي عابر، بل اختبار كشف عجز مدينة صغيرة ومنظومة استقبال محدودة عن التعامل مع تدفق استثنائي خلال ساعات.
كما أظهرت الأزمة أن الحدود لم تعد تُخترق بالحشود فقط، بل بالمعلومات المضللة أيضًا. إشاعة رقمية عن فتح المعابر أو تغيير قانوني يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى حركة بشرية واسعة تتجاوز قدرات الدول وتضع حياة الآلاف أمام أخطار جسيمة.
وفي المقابل، لا يجوز اختزال الأزمة بالمقاربة الأمنية. فوجود أكثر من ألف قاصر غير مصحوب، وعائلات تبحث عن مفقوديها، وآلاف الأشخاص من دون إيواء مناسب، يكشف أن الحل لا يمكن أن يقتصر على الحواجز والانتشار العسكري.
لقد انحسرت الموجة الكبرى، لكن الأزمة لم تنته. فما زالت سبتة تواجه ثلاثة ملفات مترابطة: تحديد مصير المفقودين، ونقل القاصرين إلى مراكز آمنة، وبناء آلية مغربية إسبانية أوروبية تمنع تكرار المأساة من دون التخلي عن المعايير الإنسانية والقانونية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :