اتفاقية مكة للدفاع المشترك
د. راشد الشاشاني
لماذا لم تشارك مصر في اتفاق مكة؟
سؤال يمكن معه الانطلاق نحو فهم حقيقة مراد هذا التحالف. لا يبدو مجديًا، هنا، الخوض في تفاصيل علاقة مصر بالإمارات من جهة، وعلاقة الإمارات بالسعودية من جهة أخرى، فالتعقيد يتجاوز هذه الحدود وغيرها، وتخشى مصر معه ما لم يكن بالحسبان.
عقيدتنا التي تقرّر أن "الكرم في إطعام الضيف لا يوازيه كرم في تسليمه السيادة". فأردوغان، الذي يسعى إلى فرض سيطرة على المنطقة، وجد في سوريا مساحة مهمة لها، ولن تتركه دول المنطقة يفعل فعلته. وهو يهجو نتنياهو من جهة، ويبادل ترامب "الغمزات" من جهة ثانية، في محاولة لحفظ قوة دفعه، التي يخشى سقوطها في عراكه مع أبناء المنطقة ودولها، التي اختار لها بابًا خلفيًا يخفي عورة مآربه، يلجه في ليل الأحداث وسواد مآلها.
في ذات سياق التفكير، تعمد إيران إلى وخز الحوثي كي ينتفض فجأة، ويهدأ فجأة في وجه السعودية، التي لم تنهِ إعلان إنشاء تحالف بحري حتى أعلنت اتفاق مكة للدفاع المشترك، سبقه اتفاقها مع باكستان. قلنا عنه حينها إنه حائط صد في وجه ترامب قبل وصوله، كما هو حال اتفاق مكة هذا، الذي يعتقد الجميع أنه موجّه ضد إيران، خشية استهدافها دول المنطقة، في تزامن مع بثها رسائل التودد تجاه السعودية ومعها تركيا، من خلال نافذة حزب الله وسوريا.
تحتفظ تركيا بعلاقات جيدة مع إيران وأذرعها، تؤهلها لمشاغلة ترامب، الذي يستعمل تظاهره "بالغفلة" هذا لخلط الأوراق كل لحظة يفشل عندها بإسقاط النظام الإيراني، ويحاول مرة جديدة إسقاطه بيد غيره، دون أن يتنازل عن النصر. وهي خطة لم يعد أمام ترامب فيها سوى الزج بسوريا، وقلب فصائل إيران في العراق ولبنان واليمن، والنائم في سوريا وغيرها.
يعني هذا انهيار أحلام أردوغان، وخسارته تكاليف دعم الفصائل والحكومة السورية معًا، بل واللعب بفارق الضغط بينها في إرباك حسابات ترامب مع الأكراد، وخسارة السعودية أرض النفوذ السوري، التي تقدم خدمة لا يستهان بها في ضبط إيقاع السياسة السعودية الإيرانية، التي يسعى فيها الطرفان إلى التهدئة، بل الوئام أيضًا، لكن بطريقة "قرص الخد"، الذي يتحين ترامب صفعه، حين يدير كل طرف من هذه الأطراف وجهه نحو زعامة ائتلاف دفاعي لن يجدي، مع استهداف إيران قواعد أمريكية يوجب الدفاع عنها، أن يتحول هذا الحلف إلى جندي أمريكي يقف بباب حراسة لا فائدة منها، يتسابق أعضاؤه إلى إرضاء ترامب، وهو ما لن يحدث.
مع تصور كهذا، وهو يشمل التحالف البحري أيضًا، ينتهي الحلف بوصفه بنيانًا في وجه تحول دول أعضائه إلى أدوات بيد ترامب، يلاعبها كيفما شاء، بعد تحولها خصمًا مباشرًا لإيران. بل يسعى هذا البنيان إلى ألا تستغل إيران وضعية التزام الدفاع هذا، لجر الدول إلى متاهات التنازلات وليّ الأذرع، حين توظف اتفاق هذه الدول لحماية مصالحها وأذرعها في المنطقة.
إذاً، حلف بلا فائدة عملية، سوى خلق انطباع لدى ترامب بأن هناك قوة تحول دون تسلله بين تفاصيل الأحداث المتغيرة. لكن ترامب سيتهور ويدفع بمزيد من "حرق أعصاب المنطقة"، بما يضمن لإيران فتح طرق أمام سيطرتها أوسع بكثير من مضيق هرمز. سيفهم ترامب من خطوة كهذه أنها دعوة هذه الدول للتفاهم معها، أي مع إيران، بعيدًا عنه، بما يفوت فرصة نصره، ومحاولة ابتزاز السعودية وتركيا، وإفشال توظيف باكستان كوسيط يمكن التلاعب به وإحباط آثار فعله، فيما لو تفلت عن السيطرة.
عند هذه النقطة تبدو عورة وساطة باكستان أكثر جلاءً، في حين تتكسر جهود أردوغان باللعب على حبال التبديل، بين إذابة نفوذ السعودية في لبنان، وحصر علاقتها بإسرائيل ضمن الموافقة التركية، واحتكار التفاهم مع إيران، في ظل عداء السعودية مع الحوثي، وأزمة ضربات المليشيا العراقية، وخيبة أمله في القبض على الملف الكردي في سوريا. سيمر هذا كله في مضيق مكائد ترامب ونتنياهو، حين تؤلف الأحداث على شكل تهم.
لن يخيف ترامب حلفًا سنيًا، لن يقدم لأعضائه أكثر من "البوفيه المفتوح"، ولا آخر إسلاميًا قد تدخل فيه إيران وغيرها، بل ما يخشاه هو قدرة إيران على التلاعب بهذه الظروف، فهي أكثر رحابة من مضيق هرمز.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :