تقرير خاص ايكون نيوز
أولاً: الإطار الزمني والسياق العام
تشهد العاصمة الإيطالية روما، منذ يوم الثلاثاء 4 أغسطس وحتى الخميس 6 أغسطس 2026، الجولة **السابعة** من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية مباشرة. وهذه الجولة هي الثانية التي تستضيفها روما تحديدًا خلال أقل من شهر واحد، بعد خمس جولات سابقة عُقدت في واشنطن — وهو ما يعكس تحوّلًا في "جغرافيا الوساطة" من العاصمة الأميركية إلى منصة أوروبية محايدة، ربما بحثًا عن أجواء أقل تسييسًا أو تمهيدًا لدور إيطالي مستقبلي في الترتيبات الميدانية (كما سيرد لاحقًا).
هذا المسار التفاوضي بأكمله يقوم على "**اتفاق الإطار**" الذي وُقّع في واشنطن بتاريخ **26 يونيو/حزيران 2026**، في أعقاب حرب مدمرة اندلعت بعد أن أطلق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل، فردّت الأخيرة بحملة غارات جوية وعمليات برية واسعة في جنوب لبنان أسفرت — بحسب السلطات اللبنانية — عن مقتل أكثر من **4300 شخص** ودمار واسع النطاق. اتفاق الإطار هذا لم يكن اتفاق سلام نهائيًا، بل هيكلًا تفاوضيًا مرحليًا يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق نار هش وتحويله تدريجيًا إلى ترتيبات أمنية دائمة، تمهيدًا — بحسب الطموح المعلن — لاتفاق شامل للسلام والأمن.
---
ثانياً: من يجلس على الطاولة؟
الوفد الإسرائيلي
يضم الوفد الإسرائيلي، إلى جانب الطاقم السياسي-الدبلوماسي، مسؤولين من جيش الدفاع الإسرائيلي مباشرة — وهو تفصيل له دلالته: إشراك العسكريين في وفد تفاوضي يعني أن إسرائيل تريد ربط أي تفاهم سياسي بضمانات ميدانية قابلة للتنفيذ الفوري، لا مجرد التزامات ورقية.
الوفد اللبناني
يشارك الجانب اللبناني بوفد تقني بالدرجة الأولى، يعمل تحت مظلة سياسية يقودها رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي بات — بحسب مصادر دبلوماسية — الفاعل المركزي الذي يحاول تحويل التعهدات الأميركية التي تلقاها من الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو إلى نتائج ملموسة على الأرض.
الراعي الأميركي
واشنطن ليست وسيطًا شكليًا هنا؛ فوزارة الخارجية الأميركية أعلنت رسميًا التزامها بدفع "المسارين السياسي والعسكري" معًا، وأكدت استمرار المحادثات حتى 6 أغسطس. وقد التقى روبيو الرئيس عون في واشنطن قبيل هذه الجولة، ووصف اللقاء بأنه "إيجابي للغاية"، مشيدًا بما وصفه بـ"شجاعة" الحكومة اللبنانية في مسعاها لاستعادة السيادة الكاملة على أراضيها.
ثالثاً: مساران متوازيان — السياسي والعسكري
انقسمت مباحثات الجولة السابعة، بحسب مصدر دبلوماسي لبناني، إلى مسارين متزامنين:
1. "المسار السياسي"، ويتناول أساسًا "ملف الحدود" — أي العمل على إعادة إبراز وترسيم الخط الحدودي المعترف به دوليًا بين البلدين، بعد سنوات من الغموض والاشتباك حول نقاط بعينها.
2. المسار العسكري، ويركّز على آلية التحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية على الأرض — وتحديدًا من سيراقب، وكيف، أن كل طرف يفي بالتزاماته.
لكن اللافت، بحسب المصدر نفسه، أن لبنان لم يحصل حتى مساء الثلاثاء على أجوبة واضحة من الجانب السياسي الإسرائيلي بشأن مدى التزامه الفعلي بوقف إطلاق النار — وهو ما يكشف أن "التقنية" التفاوضية لا تزال تصطدم بغياب حسم سياسي إسرائيلي واضح.
رابعاً: الملفات الجوهرية على الطاولة
أ) نزع سلاح حزب الله — تراجع إسرائيلي لافت
في تطور يُوصف بأنه الأول من نوعه، كشف مصدر رسمي لبناني رفيع أن الوفد الإسرائيلي تراجع عن اشتراطه نزع سلاح حزب الله كشرط مسبق للانتقال إلى مناقشة ملف الحدود البرية، على أن يُستكمل العمل لاحقًا على إعادة إظهار الحدود المرسّمة دوليًا. هذا التراجع، إن صحّ ترجمته فعليًا على طاولة التفاوض، يمثل كسرًا لحلقة مفرغة كانت تعطّل أي تقدم: إسرائيل تشترط نزع السلاح أولًا، ولبنان يرى أن نزع السلاح لا يمكن أن يبدأ قبل انسحاب إسرائيلي فعلي.
ب) شروط الرئيس عون الثلاثة
وضع الرئيس جوزاف عون خارطة طريق تتضمن ثلاثة شروط أساسية للوصول إلى مرحلة نزع سلاح حزب الله، جوهرها أن هذا المسار **لا يمكن أن يبدأ** دون:
1. إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للمناطق اللبنانية في الجنوب.
2. بسط الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة على كامل أراضيها.
3. تولّي الدولة، لا أي طرف آخر، مهام إعادة الإعمار.
هذه الصيغة تضع الكرة في ملعب إسرائيل: أي مطالبة بنزع السلاح يجب أن تقترن بخطوات مقابلة ملموسة، لا وعودًا.
ج) "المناطق التجريبية" وتوسيع الانتشار
من أبرز أدوات التنفيذ الميداني حتى الآن مفهوم "المناطق التجريبية" — مناطق محددة يُختبر فيها انسحاب إسرائيلي جزئي مقابل انتشار الجيش اللبناني. الجولة السابقة في روما أسفرت عن اتفاق على انسحاب الجيش الإسرائيلي من أطراف بلدة "زوطر الغربية"، إحدى هذه المناطق، قبل أن ينتشر فيها الجيش اللبناني ويسمح لسكانها بالعودة بعد أعمال مسح ميداني. في الجولة الحالية، يدفع لبنان باتجاه توسيع هذه المناطق لتشمل مناطق جديدة، وتحديدًا "بنت جبيل والخيام"، وسط مطالبة لبنانية صريحة بانسحابات إسرائيلية إضافية.
في المقابل، يتّهم الجيش اللبناني إسرائيل بإعاقة انتشاره حتى داخل هذه المناطق "التجريبية" المتفق عليها، بينما تتواصل الخروقات: عمليات عسكرية إسرائيلية في المناطق الحدودية استمرت بالتزامن مع انعقاد المحادثات نفسها، بل إن تفجيرات إسرائيلية هزّت جنوب لبنان عشية انطلاق جولة روما — مشهد متكرر يعكس منطق "التفاوض تحت النار" الذي طبع هذا المسار منذ بدايته.
د) آلية التحقق: إيطاليا مرشحة لدور جديد
لم يُحسم بعد الطرف الذي سيتولى التحقق الميداني من تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله والترتيبات الأمنية المرافقة. لكن المصادر تشير إلى أن إيطاليا نفسها مطروحة كأحد المرشحين لهذه المهمة — وهو ما يفسّر جزئيًا اختيار روما مكانًا للمفاوضات: ليس فقط كأرضية محايدة، بل ربما كتمهيد لدور إيطالي تنفيذي لاحق في آلية المراقبة، بالنظر إلى مشاركة إيطاليا التاريخية في قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) جنوب لبنان.
خامساً: الجبهة الداخلية اللبنانية — انقسام حاد
المفاوضات لا تجري في فراغ سياسي لبناني موحّد؛ فحزب الله، عبر أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، كرر معارضته الصريحة للمحادثات ولاتفاق الإطار برمّته، داعيًا السلطات اللبنانية إلى وقف ما وصفه بـ"التنازلات" وفتح حوار مع "المقاومة" بدلًا من ذلك. بل ذهب قاسم إلى توجيه انتقاد مباشر لرئيس الجمهورية نفسه، معتبرًا أن عون "لم يعمل كحكم وجامع بل أصبح طرفًا ومفرّقًا"، وأن ذلك "لا ينسجم أبدًا مع دوره ومع قوة لبنان" — وهي لغة تصعيدية تكشف عمق الشرخ بين رئاسة الجمهورية وحزب الله حول شرعية المسار التفاوضي بأكمله.
في المقابل، رئيس الحكومة اللبنانية هاجم منتقدي التوجه التفاوضي مع إسرائيل، في مؤشر على أن الموقف الرسمي اللبناني — رئاسة الجمهورية والحكومة — يسير في اتجاه مغاير لموقف حزب الله، ما يعمّق حالة الاستقطاب الداخلي حول سؤال جوهري: من يملك حق القرار في ملفي الحرب والسلم في لبنان؟
سادساً: البعد الحقوقي الدولي
في سياق موازٍ، حذّر المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة (تورك) من أن بعض الممارسات الإسرائيلية في جنوب لبنان قد ترقى إلى جرائم حرب — تحذير يمنح لبنان ورقة ضغط أخلاقية ودبلوماسية إضافية في مطالبته المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لوقف الانتهاكات، والتركيز على تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل وتحييد الأراضي اللبنانية عن أي مواجهة إقليمية أوسع (وتحديدًا التصعيد الأميركي-الإيراني الدائر بالتوازي).
سابعاً: قراءة تحليلية — إلى أين يتجه المسار؟
عدة مؤشرات تستحق التوقف عندها بعين تحليلية:
1. تحول في التكتيك الإسرائيلي لا بالضرورة في الاستراتيجية: تراجع إسرائيل عن ربط نزع السلاح بملف الحدود قد لا يعني تنازلاً جوهريًا، بل إعادة ترتيب أولويات تفاوضية تتيح لها إحراز تقدم في ملف الحدود — وهو ملف يخدم مصالحها الأمنية المباشرة — دون التخلي عن مطلب نزع السلاح الذي يبقى مؤجلًا لا ملغيًا.
**2. "التفاوض تحت النار" كاستراتيجية ضغط**: استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بالتوازي مع المحادثات ليس عرضيًا، بل يبدو نمطًا متكررًا يهدف إلى تعظيم أوراق الضغط الإسرائيلية على الطاولة، عبر تذكير الجانب اللبناني يوميًا بكلفة التعنّت.
3. عون بين المطرقة والسندان: الرئيس اللبناني يخوض مقامرة سياسية مزدوجة — فهو يراهن على تحويل الضمانات الأميركية إلى نتائج ملموسة تُقنع الداخل اللبناني بجدوى المسار التفاوضي، بينما يواجه في الوقت نفسه اتهامات حزب الله بالانحياز، ما يهدد موقعه كـ"حكم جامع" في نظام سياسي لبناني قائم أصلًا على توازنات طائفية دقيقة.
4. إيطاليا: من الوساطة إلى التنفيذ؟: إذا تأكد الدور الإيطالي في آلية التحقق، فإن ذلك سيمثل تطورًا نوعيًا في هندسة الترتيبات الأمنية الجنوبية، بعيدًا عن الأطر الدولية التقليدية (اليونيفيل بصيغتها الحالية)، نحو آلية ثنائية أو ثلاثية أكثر مرونة لكن أيضًا أكثر حساسية سياسيًا.
5. الترابط الإقليمي: لا يمكن فصل هذا المسار عن السياق الإقليمي الأوسع؛ فالتصعيد الأميركي-الإيراني المتزامن في الخليج يضع لبنان أمام مخاطر "الانجرار غير الطوعي" إلى مواجهة أوسع، وهو ما يفسر إصرار بيروت على مطلب "تحييد" أراضيها عن أي تصعيد إقليمي محتمل.
مفاوضات روما ليست جولة تقنية عابرة، بل محطة تُختبر فيها قدرة الوساطة الأميركية على تحويل تعهدات سياسية إلى وقائع ميدانية ملموسة، وسط انقسام لبناني داخلي حاد، وتعنّت إسرائيلي ميداني متواصل رغم مرونة تكتيكية ظاهرة على طاولة التفاوض. النتائج التي ستخرج بها الجولة، المقررة أن تنتهي يوم الخميس 6 أغسطس، ستحدد إلى حد بعيد ما إذا كان اتفاق الإطار الموقّع في يونيو الماضي قابلًا للتحول إلى ترتيبات أمنية دائمة، أم أنه سيبقى هدنة هشة معلّقة بخيط رفيع من الضغط الأميركي المتقطع.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :