كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع Icon News
سامي الجميل... عودة متأخرة إلى الأرض؟
لفت مصدر سياسي مراقب إلى أن رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل بدأ منذ أسابيع بتكثيف جولاته على بلدات ومناطق عرفت حضورا كتائبيا تاريخيا، في خطوة يقرأها ضمن مسعى لإعادة تثبيت الحزب شعبياً وسياسياً على الأرض.
تجربة باسيل... مرجع يُقاس عليه
ويرى المصدر أن هذا النمط من الحركة الميدانية يستحضر ما اعتمده رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في سياسة الجولات اللقاءات المباشرة مع القاعدة، حين جعل من الجولات المناطقية أداة للتواصل المباشر مع القواعد والفعاليات المحلية، لا سيما في المناطق التي تشهد منافسة أو تبدلاً في موازين النفوذ. غير أن الفرق بين الحالتين لا يقتصر على التوقيت فحسب، بل يمتد إلى الأدوات: فباسيل لم يكتفِ بالجولات، بل استثمر كل الوسائل السياسية المتاحة، وصولاً إلى الاستعانة بهالة العماد ميشال عون وتأثيره المباشر على القاعدة العونية، ليحوّل الزيارة الواحدة إلى حدث رمزي يتجاوز حدود البلدة نفسها. أما الرئيس المؤسس للكتائب أمين الجميل، فكان بعيداً عن الواجهة تماماً، تاركاً إدارة الحضور الميداني لغيره. وهنا يسقط سؤال مشروط: هل يملك سامي الجميل أدوات أبيه وهالة باسيل معاً؟
المتن... عرينٌ لم يكن يُقسَّم
وتحمل رقعة المتن وزناً خاصاً في الذاكرة السياسية للكتائب، إذ لطالما عُدّت امتداداً طبيعياً لعرين أمين الجميل التاريخي. ويذكر المصدر أن الرئيس المؤسس كان يحيط هذه المنطقة بحراسة سياسية مشددة، ولم يسمح لأخيه بيار بتقاسم نفوذه فيها، وكأن المتن بقي لعقود مساحة مغلقة على العائلة والحزب معاً.
هذا الإرث يجعل أي تمدد خارجي في المتن أكثر حساسية، خصوصاً إذا جاء من قوة مسيحية تنتمي إلى البيت نفسه. وتبرز هنا مسألة توزيع الأدوار داخل الحزب الحالي، إذ تولى النائب إلياس حنكش مساحة واسعة من المتابعة الميدانية في المتن عبر التواصل مع البلديات والفعاليات ومتابعة الملفات الإنمائية والخدماتية. ولا ينفي المصدر إيجابية هذا الدور، لكنه يطرح سؤالاً حول غياب الرئيس عن دائرة كان يفترض أن تكون أولوية حضوره الأولى.
ويتعاظم هذا السؤال مع تصاعد المنافسة المسيحية في المتن، حيث لم تعد المعركة محصورة بالمواقف الوطنية الكبرى، بل امتدت إلى الحضور اليومي والعلاقات مع البلديات والمخاتير والفعاليات، وهي عناصر يصعب بناؤها عشية الاستحقاقات.
بكفيا... رمز يتجاوز الانتخابات
وتبقى بكفيا وجوارها في صلب هذه الحسابات، لما تحملانه من رمزية خاصة بالنسبة إلى الكتائب وعائلة الجميل. ويقول المصدر إن رئيس الكتائب ممتعض من تمدد القوات اللبنانية في عدد من البلدات المجاورة، ويرى أن هذا التوسع يتم على حساب مساحة نفوذ تاريخية للحزب.
وعليه، تتجاوز المنافسة مجرد احتساب المقاعد والأصوات، إذ يسعى كل طرف إلى تثبيت حضوره في بلدات ذات حيثية سياسية واجتماعية، فيما تجد الكتائب نفسها أمام تحدٍّ مزدوج: الحفاظ على موقعها في منطقة ارتبط اسمها بها لعقود، ومنع تحول العلاقة مع بعض مناطقها من علاقة عضوية إلى علاقة قابلة للمراجعة.
وليس ما يثير القلق داخل البيئة الكتائبية احتمال خسارة مقاعد انتخابية فحسب، بل تبدل طبيعة العلاقة مع مناطق كانت تُعد تلقائياً ضمن المجال السياسي للحزب.
لماذا الآن؟
ومن هذه الزاوية، تبدو الجولات الأخيرة محاولة لاستعادة المبادرة قبل أن تتحول التحولات المحلية إلى واقع ثابت. فالنفوذ في المناطق لا يُقاس بعدد المهرجانات أو المواقف الإعلامية، بل بعمق شبكة العلاقات وديمومتها، وبقدرة الرئيس نفسه على الظهور في المشهد لا الاكتفاء بإدارته من بعيد.
ويخلص المصدر إلى أن السؤال المطروح ليس لماذا بدأ الجميل جولاته اليوم، بل لماذا لم تكن جزءاً راسخاً من حضوره طوال المرحلة السابقة. فإذا كان المتن وبكفيا يمثلان ركيزة أساسية من ركائز الكتائب التاريخية والسياسية، فإن ترك هذه المساحة مفتوحة أمام المنافسين سيفرض على الحزب لاحقاً جهداً أكبر بكثير لاستعادة ما يعتبره مجاله الطبيعي.
هل استعادة حضور أم ردّ على تمدد الخصوم؟
ولا يستبعد المصدر أن يكون الجميل قد توصّل إلى خلاصة مفادها أن المرحلة المقبلة تستوجب حضوراً مختلفاً، وأن المنافسة مع القوات لا يمكن ادارتها بالخطاب وحده. فكل زيارة لبلدة، وكل لقاء مع فعالية محلية أو بلدية، يحمل أبعاداً تتجاوز المناسبة ذاتها، لأنه يعيد رسم خريطة النفوذ التي ستظهر قيمتها عند الاستحقاق المقبل.
وبذلك، يصبح تحرك الجميل محاولة لتثبيت الحدود السياسية للكتائب في المتن بعدما بدأت قوى منافسة توسيع حضورها في مناطق ذات رمزية خاصة. وفي هذا السياق فقط تكتسب تجربة باسيل معناها كخلفية مرجعية: النزول إلى المناطق يصبح ضرورة حين تتحول المنافسة إلى سباق على الأرض ذاتها.
يبقى التحدي الأكبر أمام الجميل في تحويل هذه الجولات من حركة ظرفية إلى حضور دائم ومستمر، خصوصاً أن استعادة النفوذ أصعب من المحافظة عليه. والسؤال الأعمق يبقى: هل عاد الجميل إلى المناطق لأنه اختار إعادة بناء حضوره من القاعدة، أم لأن تمدد خصومه أجبره على إدراك أن الساحة التي لا يملؤها أصحابها يملؤها الآخرون؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :