ترقد والقهر يملأ قلوبنا
في مُقدِّمة كتابه «زمن زياد الرحباني قديش كان في ناس» يستعير طلال شتوي جملةً من جوزيف حرب، هي: «زياد الرحباني يلتقي مع كلِّ إنسانٍ جاء إلى هذه الأرض». جملة قد تبدو للوهلة الأولى خارجةً من ديوانٍ شعريٍّ لحرب، لكنّها في الحقيقة علميّة إلى حدٍّ بعيد. نعم، زياد التَقانا جميعاً.
لكلٍّ منّا قصّتُه مع زياد، غالباً ما تكون فريدةً واستثنائيّةً كزياد. قصّة اللقاء الأوّل، لقاءٌ لم يعرف به هو، لقاءٌ يغيّر فينا الكثير، ونصبح أسرى هذا الوهج. منّا من سمع أغنيةً أو لحناً سحره، أو شاهد مسرحيّةً أو مقابلةً، أو حتّى تعرّف إليه عبر شخصٍ ثالث، ولكن، وفي كلّ الأحوال، سرعان ما سيخطفنا زياد، اختطافاً جوهريّاً.
وُلدنا في جيلٍ عرف زياد عن بُعد، على فترات، والأهمّ أنّنا عرفناه كاملًا. لم ننتظر مسرحيّةً أو ألبومًا أو مقابلةً؛ جهّزها كلَّها لنا منذ زمن. جيلٌ في بداية عشرينياته اليوم، لم يشترِ بطاقة عرضٍ لمسرحيّاته، ولم يتسمّر أمام التلفزيون لنسمعه مباشرةً، كنّا صغاراً. لكنّك يا زياد أبهرتنا، فعشقنا مسمعك، وسمعنا مسرحيّاتك ومقابلاتك، فأحببنا ما فيها من واقعيّةٍ وإبداع. كنّا كالتلاميذ، ندرس زياد تحضيراً للعودة، حفظنا الأغاني وتوزيعاتها المختلفة، وحفظنا المسرحيّات حتّى أصبحنا شخصيّاتها. تعرّفنا إليك كاملاً، ولكن أيضاً غائباً، فتحوّلت موسيقاك وموقفك إلى وقودٍ نسير به في حياتنا.
جعلتنا ثائرين على كلِّ شيء؛ على ما نحن عليه، على مستقبلٍ لا نصنعه، على بيئاتنا وتعقيداتها، على المجتمع ونظرتنا إليه. كنت بالنسبة إلينا المحرّض الأوّل. حرّضتنا لنسأل ونفهم ما نتلقّاه، ولنثور على أنفسنا، وعلى الحياة. جعلتنا نبصر مجتمعنا عن قرب، ونقاوم ثوابته، ونفهم أنّ عبقريّتك لم تكن استشرافاً بسيطاً للمستقبل، بل مواجهةً سياسيّةً في وجه الظلم والطغيان والاحتلال واللامساواة. أنقذتنا من تفاهة هذا العصر، بكلّ ما فيه من تفاهة وتمييعٍ للسياسة والنقاش، ولذلك كنتَ بالنسبة إلينا دليلاً، لا نحتاج أن نراجعه كلَّه عند الحاجة، بل يكفي أن نفهم مضمونه.
مع الوقت، فهمنا مع زياد أنّ الضحكة ليست نقيض الحزن، وأنّ التصفيق ليس نقيض فشلٍ ما، وأنّ الوقت ليس صديقاً للإنسان. كان صلباً، صلباً إلى حدّ الصراع مع الحياة نفسها؛ ففهمها بالأمثلة، وحكاها بجملٍ بسيطة، وعزفها على بيانو أسود وبُزُقٍ رنّان، وغنّاها ملايين البشر. لذلك، لم تكن موسيقاه مجرّد ألحان، بل طريقةً لفهم هذا العالم، ورفيقاً في مواجهة عبثيّته.
غالباً ما كان يعود عقب الغيبات المتتالية، لتكون أعماله ومواقفه وآراؤه سنداً لنا في صراعنا الدائم.
أمّا اليوم، وقد رحل، فقد أصبحت تلك الغيبة سرمديّة.
يصعب الرحيل في مثل هذا الزمن، يصعب وصعوبته من كونه حتميّاً، فكيف إذا كان زياد هو من يرحل. ترقد يا زياد فيما الإمبراطوريّة تكبر ونحن بحاجةٍ إلى كلّ جنديّ في مواجهتها. ترقد والقهر يملأ قلوبنا، والخوف يتملّكنا، في زمن خيبة الأمل والاستسلام والإبادة. انتظرناك لتستعيد قوّتنا، لتكون في صفّنا، في مقدّمة المواجهة. كنت، وما زلت، وستظلّ، رفيقاً في هذه المواجهة.
أحببناك فحوّلناك إلى أسطورة، إلى أيقونةٍ نتوق إلى رؤيتها، ولم نرَها. لكنّك بقيت منّا، وبقيت فينا. أصبحت منهجاً، ومانيفستو ما حيينا.
في الختام، كان جوزيف حرب على حقّ. لقد التقى زياد مع كلِّ إنسانٍ مرّ، ولكنّه حتماً سيلتقي مع مَن سيمرّ وسيتعرّف إليه، مثل المئات، بل الآلاف ممّن التقوا زياد وهو في غيبته. سيلتقي بهم، وسيستمعون إلى موسيقاه، لأنّ زياد نفسه قال: «منمشي ومنكفّي الطريق، يا رفيق».
زياد، «هيدي بس تحيّة… وبسّ»، والكثير من الشكر. شكراً لأنّك كنتَ وكنّا، شكراً لأنّك منّا، شكراً لأنّك نحن ولأنّنا أنت. نحزن لأنّك رحلت، ونحزن أكثر لأنّنا لم نخبرك بكلّ ذلك قبل الرحيل.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي