الذكاء الاصطناعي يجتاز مقابلة العمل.. ثم يظهر الفشل بعد التوظيف

الذكاء الاصطناعي يجتاز مقابلة العمل.. ثم يظهر الفشل بعد التوظيف

 

 

 

 

عند استذكار المقابلة اليوم، يتضح أنها سارت على نحو مثالي أكثر من اللازم. فقد جاءت إجابات المرشح مصقولة، وإن بدت أحياناً محفوظة عن ظهر قلب، وظهر مؤهلاً تماماً لوظيفة إعداد طلبات المنح، ما دفع مؤسسة غير ربحية في مدينة نيويورك إلى تعيينه.
لكن بعد أقل من شهر، اكتشفت مديرته أنه لم يكن قادراً على إنجاز المشروع الذي خضع للمقابلة من أجله. فقد كان يتعثر في أبسط القرارات، ويفتقر إلى سرعة البديهة التي بدا أنه يتمتع بها خلال المقابلة التي أجريت معه عبر الشاشة.
تقول المديرة التي طلبت عدم الكشف عن هويتها لتحدثها عن مسائل تتعلق بالموظفين، ولأنها محرجة من الاعتراف بوقوعها ضحية خداع بمساعدة الذكاء الاصطناعي، إنها باتت شبه متأكدة أن المرشح كان يستعين سراً بروبوت محادثة مثل “شات جي بي تي” للإجابة عن الأسئلة أثناء المقابلات الافتراضية.
هل المرشح حقيقي… أم ذكاء اصطناعي؟
بالعودة إلى تلك المقابلة اليوم، تبدو المؤشرات أكثر وضوحاً: إجابات عامة، وعبارات تكاد تكون منقولة حرفياً من الموقع الإلكتروني للمؤسسة، وردود مرتبة بعناية وفق قالب ثابت من ثلاث نقاط لمعظم الأسئلة.

لم يمض وقت طويل حتى أنهت المديرة خدمات الموظف، وبدأت رحلة البحث عن بديل، وهي عملية مستهلكة للوقت. إلا أن التجربة تركت أثرها. فمنذ ذلك الحين، باتت تنظر إلى كل سيرة ذاتية بعين الشك: هل يكتفي المتقدم بتسويق نفسه على نحو مبالغ فيه، أم أنه يختلق هوية جديدة بالكامل؟ وهل تعكس إجاباته استعداداً حقيقياً، أم أنه يقرأ نصاً أعده روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي؟ بل وهل الشخص خلف الشاشة حقيقي أصلاً؟
يقول بن يوبانكس، الرئيس التنفيذي لشركة “لايتهاوس ريسيرش آند أدفايزوري” (Lighthouse Research & Advisory) المتخصصة في استشارات الموارد البشرية، إنه سمع روايات مشابهة من عديد من أصحاب العمل ومديري التوظيف. فجميعهم يصفون مرشحين بدوا لامعين خلال المقابلات، قبل أن يتضح بعد التوظيف أن تلك الثقة التي أظهروها لم تكن نابعة منهم وحدهم.
ويضيف أن الذكاء الاصطناعي، في بعض الحالات، لا يخدع من يجري المقابلة فحسب، بل يخدع المتقدم نفسه أيضاً. فهذا النوع من الأدوات يجعل الشخص يعتقد أنه يقدر فعلاً على إنجاز العمل، لكن في كثير من الأحيان، يتبين أنه لا يستطيع.
كيف يستخدم الباحثون عن عمل الذكاء الاصطناعي؟
نشأت هذه الهواجس الجديدة في مجال التوظيف بعصر الذكاء الاصطناعي. فقد اعتاد أصحاب العمل في الماضي على أن يبالغ بعض المتقدمين في سيرهم الذاتية أو يتدربوا مسبقاً على إجابات المقابلات. لكن المخاوف اليوم أصبحت أعمق، إذ بات المديرون يتساءلون عما إذا كانت المقابلة بأكملها قد خضعت لتوجيه أو تحسين أو حتى تزييف بواسطة برامج الذكاء الاصطناعي، بحيث لم يعودوا متأكدين مما إذا كانوا يقيّمون مرشحاً حقيقياً أم مجرد نسخة مقنعة منه.
يقول ريتش براون، الشريك في شركة التوظيف “دلفي-يو إس” (Delphi-US): “أصبحت العملية أقل كفاءة بكثير. وعلينا أن نقابل عدداً أكبر” من المرشحين قبل أن نعثر على الشخص المناسب.
تشير بيانات شركة “غارتنر” الصادرة في نهاية العام الماضي إلى أن نحو نصف المتقدمين للوظائف يستخدمون الذكاء الاصطناعي في مرحلة ما من عملية البحث عن عمل، ارتفاعاً من نحو 40% في عام 2024.
فيما يقتصر استخدام بعضهم على مهام بسيطة، مثل صقل السيرة الذاتية أو المساعدة في كتابة خطاب التقديم، فإن 32% يستخدمونه لإعداد نصوص لعينات الكتابة، فيما يعتمد 26% عليه للإجابة عن أسئلة اختبارات التقييم، ويقر 13% من المشاركين بأنهم يستعينون بروبوتات المحادثة أثناء إجراء مقابلة العمل فعلياً.
يصف هيرفال فريري، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة “تيليباتيا” (Telepatia) الناشئة المتخصصة في تقنيات الرعاية الصحية، هذه الممارسة بأنها أشبه باستخدام “جهاز تلقين”. ويقول إن أبرز مؤشر عليها هو حركة عيني المرشح المستمرة عبر الشاشة، إلى جانب أسلوب حديث يوحي بأنه يقرأ من نص.
ويضيف أن هذه الظاهرة أصبحت شائعة إلى درجة دفعته إلى طرح سؤال مفاجئ عن هوايات المرشح، لإرباكه. وعندما يتعثر في الإجابة، وهو ما يحدث في معظم الحالات، يقول له: “يا رجل، أنت لا تستمع حتى”.
سوق جديدة للغش في التوظيف
لكن الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي قد يذهب أبعد من ذلك حتى. فقد ظهرت مجموعة من الأدوات التي تعد بمساعدة مهندسي البرمجيات على اجتياز اختبارات البرمجة والمقابلات التقنية.
تتراوح أسعار هذه الخدمات بين 10 دولارات و1800 دولار، ومن بينها “WhisprGPT” و”Shadecoder”، اللتان تزعمان القدرة على معالجة المعلومات لحظياً، بما في ذلك ما يظهر على شاشة المستخدم والصوت المباشر، لتقديم حلول فورية لمختلف مسائل البرمجة.
كما تمتلئ منتديات “ريديت” بالنصائح حول كيفية تجنب انكشاف مستخدم هذه الأساليب، مثل عدم التنقل بين علامات التبويب، فضلاً عن توصيات حول الأدوات التي تحقق أفضل النتائج، وإن كان كثير من المستخدمين يرون أن كلها ذات أداء “متوسط”.
بالنسبة إلى كثير من المتقدمين، لا يبدو الحد الفاصل الأخلاقي واضحاً بالقدر الذي يتمناه أصحاب العمل.
ففي سوق عمل قاسية جداً، يقول بعض الباحثين عن وظائف إنهم مستعدون لفعل أي شيء يمنحهم أفضلية. حجتهم أنهم سيتمكنون من استخدام روبوتات المحادثة خلال قيامهم بوظيفتهم، فلماذا لا يستخدمونها للحصول عليها؟ ثم إن التوظيف، في نظرهم، هو في الأساس اختبار للأداء، وأليست ثقافة العمل الأميركية نفسها تقوم على مبدأ “تظاهر إلى أن تنجح”؟
فاتورة التوظيف الخاطئ
لكن في بعض الحالات، لا تصقل أدوات الذكاء الاصطناعي قدرات المتقدمين بقدر ما تخفي أوجه القصور لديهم.
وتقول كارولين أوغاوا، المديرة في شركة “غارتنر” (Gartner) الاستتشارية إن إدارات الموارد البشرية رصدت ارتفاعاً في عمليات التوظيف التي تندم عليها لاحقاً. وترجع أوغاوا ذلك، جزئياً، إلى اعتماد بعض المتقدمين المفرط على الذكاء الاصطناعي أثناء مقابلات العمل.
وتضيف: “هذه الأدوات تمنح المرشحين أفضلية حقيقية في عملية التقييم”.
هذه الأخطاء في التعيينات ليست مزعجة فحسب، بل تسبب خسائر مالية أيضاً. إذ تبلغ تكلفة شغل وظيفة واحدة نحو 1300 دولار في المتوسط، وفقاً لبيانات “جمعية إدارة الموارد البشرية” (Society for Human Resource Management). ولا يشمل هذا الرقم تكاليف التأهيل والتدريب التي لا يمكن استردادها، ولا أسابيع الإنتاجية المهدرة، ولا الوقت الذي يقضيه المديرون في البحث عن بديل مناسب.
اختبارات التوظيف في مأزق
دفع ذلك الشركات إلى إعادة النظر في النهج الذي تتبعه. في وقت سابق من هذا العام، أدركت جوليا إينثوفن أنها باتت بحاجة إلى إعادة تصميم آلية التوظيف التي اعتمدتها على مدى السنوات السبع الماضية في شركة “كابوينغ” (Kapwing) الناشئة لتحرير الفيديو، التي شاركت في تأسيسها وتتولى إدارتها في سان فرانسيسكو.
في السابق، كان يُطلب من المتقدمين إنجاز اختبار منزلي يتضمن حل مسألة برمجية. وقبل انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، كان نحو ربع المتقدمين فقط يُكملون الاختبار ويجتازونه. كان ذلك كفيلاً بضمان انتقال أفضل المرشحين فقط إلى المرحلة النهائية، التي كانت تشمل عادة مقابلتين حضوريتين.
لكن خلال العام الماضي، بدأت إينثوفن تلاحظ تغيراً واضحاً في نتائج الاختبار المنزلي. فقد أصبح معظم المتقدمين ينهون الاختبار، ونجح نحو 80% منهم، ما منحهم فرصة الانتقال إلى المقابلات في مقر الشركة.
أدى ذلك إلى تدفق أعداد كبيرة من المرشحين الذين سرعان ما اتضح أنهم لا يمتلكون المؤهلات اللازمة. حتى أن بعض المقابلات كانت سيئة جداً إلى حدّ أن مسؤولي التوظيف أنهوها مبكراً. وتقول إينثوفن: “وصلنا إلى مرحلة أصبحت فيها العملية مضيعة للوقت بالنسبة للطرفين”.
ثم كادت شركة “كابوينغ” أن تقدم عرض عمل لمرشح تقول إينثوفن إنه ربما كان ينتحل هوية مزيفة.
فبعد اجتيازه اختبار البرمجة، أبلغ المرشح، الذي قدم نفسه باسم “دواين”، الشركة بأنه لا يستطيع السفر لإجراء مقابلة حضورية لأنه كان يعتني بأحد أقاربه المرضى في ولاية يوتا. لذلك، أُجريت جميع مراحل المقابلة معه عبر الإنترنت.
غير أن الشكوك بدأت تتسلل إلى إينثوفن عندما حاولت التواصل مع أحد الأشخاص الذين قدمهم كمرجع مهني. فقد لاحظت أولاً أن حسابه على “لينكدإن” أُنشئ حديثاً ولا يضم سوى بضع عشرات جهات الاتصال. ثم، عندما تحدثت إليه هاتفياً، عجز عن تقديم أي تفاصيل تُذكر عن الخبرة المهنية للمرشح.
عندها، رأت إينثوفن أن الأمر يثير كثيراً من الريبة بحيث لا يمكن المضي في إجراءات التوظيف. وقالت إنها تأكدت من صحة قرارها عندما أرسلت إلى “دواين” رسالة اعتذار عن عدم المضي في توظيفه، فجاء رده “حسناً، لا بأس”.
إجراءات لحظر الذكاء الاصطناعي في المقابلات
رغم ذلك، تتردد إينثوفن في حظر استخدام الذكاء الاصطناعي في مقابلات العمل بشكل كامل، لأنه أصبح أداة أساسية في تطوير البرمجيات.
وتقول إنها سمعت عن شركات تقنية أخرى بدأت تعتمد اختبارات حضورية تخضع لمراقبة صارمة، على غرار اختبارات القبول الجامعية، أو ترسل للمتقدمين كاميرات تُثبت خلفهم، بما يتيح للشركة رؤية كاملة لمحطة عملهم أثناء خوض المقابلات الافتراضية.
في المقابل، تتجه شركات أخرى إلى التدريب على رصد أساليب الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي، أو إلى شراء برامج متخصصة لكشف هذه الممارسات، من خلال تتبع ضغطات لوحة المفاتيح وحركة العين، أو إتاحة وصول أصحاب العمل عن بُعد إلى أجهزة المتقدمين أثناء عملية التقييم.
كما بدأ بعض أصحاب العمل بوضع خطوط حمراء واضحة. إذ تُبلغ شركة “تارغت” (Target) المتقدمين للوظائف بأن إجاباتهم في المقابلات يجب أن تعكس “فهمهم الشخصي وقدرتهم على إصدار الأحكام، من دون الاعتماد على أي مساعدة خارجية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي”.
وكان الرئيس التنفيذي لشركة “ألفابت” سوندار بيتشاي، قد أعلن الصيف الماضي أن “جوجل” تتجه إلى إضافة جولة واحدة على الأقل من المقابلات الحضورية، “للتأكد من توافر الأساسيات”. وأبلغت الشركة “بلومبرغ بيزنس ويك” أن جميع مهندسي البرمجيات تقريباً يخضعون الآن لمقابلة حضورية واحدة على الأقل.
كما أعلنت شركة “لوريال” أن المقابلات “منطقة خالية من الذكاء الاصطناعي”، وبدأت تشترط على المتقدمين إتمام جولة واحدة على الأقل حضورياً.
اللافت أن حتى شركة “أنثروبيك” تحظر هي الأخرى استخدام الذكاء الاصطناعي في المقابلات المباشرة والاختبارات المنزلية، ما لم تمنح إذناً صريحاً بذلك.
أما هيرفال فريري، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة “تيليباتيا” (Telepatia)، فأصبح يطلب من المتقدمين حل تحديات برمجية مباشرة مع مشاركة شاشاتهم، ليتمكن من تقييم قدرتهم على شرح طريقة تفكيرهم والتواصل أثناء حل المشكلات في الوقت الفعلي.
بين مكافحة الغش وإنصاف المرشحين
رغم ذلك، لا تزال إينثوفن مترددة في تبني هذه الإجراءات، وتأمل ألا تضطر إلى اللجوء إليها. وفي الوقت الراهن، قررت الشركة إلغاء الاختبار المنزلي، والاستعانة بشركة توظيف خارجية للمساعدة في فرز المتقدمين خلال المرحلة الأولى من عملية التقييم.
من جهتها، تقول أليكسا لوكن، وهي مدربة مهنية في مدينة سان لويس أوبيسبو بولاية كاليفورنيا، إنها فوجئت بحدة غضب بعض المديرين من فكرة الاستعانة بالذكاء الاصطناعي أثناء مقابلات العمل.
وتنصح لوكن، التي تُدرّس مقرراً عن الإلمام بالذكاء الاصطناعي في إحدى الكليات المحلية، طلابها بإحضار ملاحظات مكتوبة بخط اليد إلى مقابلات الفيديو، لإثبات أنهم أعدوا إجاباتهم بأنفسهم. فذلك يقلل من احتمال أن يعتقد من يجري المقابلة أنهم يعتمدون على وسائل غير نزيهة، مثل قراءة إجابات يلقنها لهم روبوت محادثة.
من جانبه، قرر موهيت بيندي، الشريك المؤسس لشركة “كارات” (Karat)، المتخصصة في إجراء المقابلات التقنية نيابة عن أصحاب العمل، عدم اللجوء إلى إجراءات رقابية متشددة، مثل تتبع حركة العين وأنماط الكلام.
ويقول بيندي: “هذا يحول المقابلة، في جوهرها، إلى مواجهة بين الطرفين.”
بالنسبة إلى الباحثين عن عمل الذين يحاولون شق طريقهم في سوق يصفه كثيرون بأنه بالغ الصعوبة، فإن افتراض أنهم يحاولون الغش منذ البداية لا يضيف سوى إهانة جديدة. فإلى جانب اضطرارهم لإثبات أنهم الأجدر بوظيفة يتنافس عليها عدد كبير من المرشحين، أصبح عليهم أيضاً إثبات أن أداءهم المتقن ليس من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي