ايكون نيوز
فتحت الولايات المتحدة وإيران جبهة مواجهة مباشرة غير مسبوقة منذ أسابيع، بعدما شنّ الجيش الأميركي موجات متتالية من الضربات طالت عشرات الأهداف داخل الأراضي الإيرانية، فيما ردّت طهران بإغلاق مضيق هرمز "حتى إشعار آخر" وتوجيه هجمات صاروخية ومسيّرة إلى قواعد أميركية في خمس دول خليجية وعربية، في تصعيد وصفته طهران بأنه "إجهاض" كامل للمسار الدبلوماسي الذي رعته مذكرة تفاهم لم يمر على توقيعها سوى أسابيع قليلة.
أعلنت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" تنفيذ ضربات على نحو 170 هدفاً خلال ليلتين متتاليتين، شملت أنظمة دفاع جوي ومواقع مراقبة ساحلية ومخازن صواريخ وطائرات مسيّرة وقدرات بحرية وبنية لوجستية عسكرية على امتداد الساحل الإيراني، إضافة إلى مراكز قيادة وسيطرة وأكثر من 60 زورقاً صغيراً تابعاً للحرس الثوري في مضيق هرمز وما حوله.
وبحسب البيانات الأميركية، جاءت هذه الموجة رداً على استهداف إيران ثلاث سفن تجارية أثناء عبورها المضيق، في ما وصفته واشنطن بأنه هجوم "غير مبرر وخطير" يمثل خرقاً واضحاً لوقف إطلاق النار. وأكدت القيادة الأميركية أن طائراتها اعترضت وأسقطت صاروخاً كروزياً إيرانياً وطائرة مسيّرة خلال الاشتباك، فيما أشارت وكالات إيرانية إلى سقوط قتلى وسماع انفجارات في مدن جنوبية وجنوبية شرقية عدة، من بينها بندر عباس وبوشهر والأحواز، إضافة إلى مناطق قرب مضيق هرمز مثل جاسك وكنارك وسيريك وجزيرة أبو موسى.
ردّت وزارة الخارجية الإيرانية بلهجة حادة، متهمة واشنطن بـ"الانتهاك السافر" لجميع بنود مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين في يونيو/حزيران الماضي، ومحمّلة إياها مسؤولية "عودة انعدام الأمن في مضيق هرمز وتعطيل الملاحة التجارية الدولية". كما اعتبرت طهران قرار واشنطن إلغاء التعليق المؤقت للعقوبات على صادراتها النفطية، بعد 20 يوماً فقط من توقيع المذكرة، "انتهاكاً صارخاً" للبند العاشر منها، ودليلاً إضافياً على ما وصفته بـ"سوء نية" الجانب الأميركي.
وفي خطوة تصعيدية لافتة، أعلنت بحرية الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز "حتى إشعار آخر وحتى انتهاء التدخل الأميركي في المنطقة"، مؤكدة أنه "لن يُسمح لأي سفينة بالمرور"، وأن القرار جاء عقب محاولة سفينة عبور المضيق عبر مسار غير مصرح به، ما استدعى إطلاق نار تحذيري وإجبارها على التوقف. وحذّرت البحرية من أن أي خطأ إضافي "سيواجه رداً شديداً".
لم تكتفِ طهران بإغلاق المضيق، بل وسّعت دائرة الرد لتشمل ما وصفته بمنشآت عسكرية أميركية في الكويت وقطر وعُمان والأردن والبحرين. وبحسب بيان للحرس الثوري، استهدفت الهجمات موقع رادار أميركي في الكويت، ومنشآت عسكرية في قاعدة العديد الجوية بقطر، ومنصات دعم وتزود بالوقود في ميناء الدقم العُماني، ومركز قيادة وسيطرة وحظائر طائرات مسيّرة من طراز "MQ-9" في قاعدة الأمير حسن الجوية بالأردن، إضافة إلى منظومة اتصالات وموقع رادار للجيش الأميركي في البحرين.
وأسفرت الهجمات الصاروخية والمسيّرة عن خسائر بشرية في الإمارات بلغت 3 قتلى من جنسيات باكستانية ونيبالية وبنغلاديشية، و58 إصابة وُصفت بالبسيطة، فيما أعلن الجيش الكويتي إصابة عامل في منصة حفر بحرية تابعة لشركة نفط الكويت، وتضرر ثلاثة مراكز حدودية شمال البلاد. ونجحت الدفاعات الجوية في الكويت والبحرين وقطر في اعتراض جزء كبير من الصواريخ الباليستية والمسيّرات، وسط تفعيل صفارات الإنذار ودعوة السكان للاحتقاق في أماكن آمنة.
قوبل التصعيد الإيراني بإدانات متتالية من دول الخليج العربية، إذ استنكرت السعودية بأشد العبارات ما وصفتها بـ"الاعتداءات الآثمة" على الكويت والبحرين والأردن، كما استهجن مجلس التعاون الخليجي الهجمات التي طالت الناقلة السعودية "وديان" والناقلة القطرية "الركيات" أثناء عبورهما المضيق، معتبراً ذلك اعتداءً على أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية. وشددت دول المجلس على أن أمنها "كلٌ لا يتجزأ"، مستندة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2817 وحق الدفاع المشروع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
كما دعت دول الخليج مجلس الأمن الدولي إلى تحمّل مسؤولياته لضمان العبور الآمن في المضيق دون قيود، ووقف كل الأعمال العدائية الإيرانية بشكل دائم وفوري، فيما جددت قطر وعُمان دعوتهما لإيران لوقف هجماتها والعودة إلى طاولة الحوار.
يعيد هذا التصعيد إلى الواجهة هشاشة التفاهم الذي توصل إليه الطرفان في 17 يونيو/حزيران الماضي، حين وقّعا مذكرة تفاهم لتمديد وقف إطلاق النار 60 يوماً، كان من المفترض أن تفضي إلى وقف دائم للضربات المتبادلة وإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات. غير أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن في 8 يوليو/تموز "انتهاء" هذه المذكرة، قبل أن يعود بعد يومين ليقول إن واشنطن وافقت على طلب إيراني بمواصلة المحادثات، في مؤشر على استمرار قنوات التواصل الفنية بين الجانبين رغم المواجهة العسكرية المفتوحة.
وفي المقابل، اتُّهمت طهران بخرق بندين رئيسيين من المذكرة بحسب تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني، فيما حمّل مسؤولون فرنسيون التصعيد الأخير على استهداف إيران لسفن في المياه العُمانية. ونقلت تقارير عن مسؤولين أميركيين توقعات باستمرار الضربات العسكرية لأيام أو أسابيع مقبلة، فيما توقفت حركة الملاحة عبر المضيق شبه كلياً مجدداً.
انعكس هذا التصعيد مباشرة على أسواق النفط العالمية التي سجلت ارتفاعات حادة بنسبة تجاوزت 6% مع تفاقم المخاوف من اضطراب الإمدادات عبر المضيق الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة الطاقة العالمية، فيما قفزت عقود الديزل الآجلة في الولايات المتحدة بأسرع وتيرة لها منذ أربع سنوات، في تطور يزيد الأعباء السياسية على إدارة ترامب قبيل استحقاق انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
يبقى مصير التصعيد الحالي مرهوناً بمسارين متوازيين: قنوات تفاوض فنية لا تزال قائمة بين واشنطن وطهران بحسب مصادر أميركية، مقابل تصعيد ميداني متصاعد يتوسع ليشمل دولاً خليجية لم تكن طرفاً مباشراً في المواجهة. وبينما تتمسك دول المنطقة بدعواتها لوقف فوري وغير مشروط للأعمال العدائية وإعادة فتح هرمز بشكل مستدام، تحذر تقديرات دولية من أن استمرار هذا المسار قد يُبقي أسواق الطاقة والملاحة العالمية رهينة لتطورات ساعة بساعة في واحدة من أخطر البؤر الجيوسياسية في العالم.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :