كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في لبنان، لا تموت الأخطاء الكبرى بسهولة. بعضها يعود كلما ظنّ أصحابه أن ذاكرة الناس ضعفت، أو أن تبدّل الأجيال يسمح بإعادة تسويق الهزيمة على أنها واقعية، والتنازل على أنه حكمة، والارتهان على أنه فن تفاوض.
ومن بين أكثر الصفحات اللبنانية قسوة، يبقى اتفاق "17 أيار 1983" علامة سوداء في تاريخ الدولة والسيادة. لم يكن ذلك الاتفاق مجرد خطأ سياسي عابر، ولا ورقة دبلوماسية سقطت بفعل تبدّل الظروف. كان لحظة انكشاف كبرى: دولة خارجة من الاجتياح، سلطة تبحث عن شرعية تحت الضغط، واحتلال إسرائيلي يحاول انتزاع مكاسب سياسية من قلب الانهيار اللبناني.
الاتفاق لم يصنع سلامًا. لم يحمِ لبنان. لم يُخرج الاحتلال. ولم يمنح الدولة قوة تفاوضية حقيقية. على العكس، كشف هشاشة القرار الرسمي حين يُصاغ تحت السقف الأميركي والإسرائيلي، وحين تُختصر السيادة بورقة توقعها سلطة محاصرة لا تملك أدوات فرضها على الأرض.
هنا تبدأ المشكلة الأصلية: أن بعض القوى اللبنانية لم تتعلّم من 17 أيار بوصفه فشلًا وطنيًا، بل تعاملت معه كأنه تجربة ناقصة كان يمكن تحسينها لو توافرت ظروف أفضل. وهذه أخطر قراءة ممكنة. لأن العيب لم يكن في الشكل فقط، بل في الجوهر: لا يمكن لاتفاق مع عدو محتل أن يكون مدخلًا إلى السيادة إذا كان يُبرم تحت ضغط الاحتلال نفسه.
لقد أثبتت تلك التجربة أن أي تسوية تُصنع فوق إرادة الناس، ومن دون توازن حقيقي في الميدان والسياسة، تولد ميتة. والذين حاولوا يومها إلباس الهزيمة ثوب الدولة اكتشفوا سريعًا أن الدولة لا تُبنى بالاستقواء بالخارج، ولا بالرهان على ضمانات لا تملك قيمتها إلا بقدر ما يملك أصحابها القدرة والإرادة على تنفيذها.
الأخطر من الاتفاق نفسه هو محاولة غسل الذاكرة. فكلما عاد النقاش حول المقاومة والسيادة والعدو، خرجت أصوات تتحدث عن “الواقعية” و“التفاوض” و“السلام”، وكأن لبنان لم يدفع من دمه وجبله وجنوبه وعاصمته ثمن هذه الأوهام. وكأن 17 أيار كان سوء تفاهم لا مشروعًا خطيرًا لانتزاع اعتراف لبناني بنتائج الاجتياح.
أما استدعاء ملف اغتيال بشير الجميل بين حين وآخر، فيكشف وجهًا آخر من الذاكرة الانتقائية. فالقضية التي كان يفترض أن تُعامل كملف قضائي وطني، لا كأداة سياسية موسمية، تحوّلت في الخطاب العام إلى ورقة تُرفع عند الحاجة وتُطوى عند الحاجة. السؤال هنا مشروع وقاسٍ: لماذا لم تُحسم هذه الملفات حين كانت السلطة في يد من يرفعون لواءها اليوم؟ ولماذا تُستدعى العدالة بعد عقود، لا بوصفها حقًا ثابتًا، بل كسلاح في معارك السياسة؟
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال المفارقة الأشدّ إرباكًا في خطاب سامي الجميل. فنحن نربأ به أن يجعل من الهجوم اللفظي على مكوّن لبناني أساسي، وفي طليعته الشيعة، وسيلة لتعزيز حضوره في الشارع المسيحي، خصوصًا أنه يتحرك سياسيًا بين كماشتين: سمير جعجع من جهة، وجبران باسيل من جهة أخرى. وقد سجّل باسيل، في لحظة سياسية محسوبة، نقطة قاسية على آل الجميل حين دفع باتجاه محاكمة حبيب الشرتوني غيابيًا، وكأنه يقول للرأي العام المسيحي إن عهد ميشال عون حاكم المتهم بقتل بشير الجميل، فيما عهد شقيقه أمين الجميل ترك الملف عالقًا بلا حسم. هنا تصبح المسألة أعمق من مزايدة انتخابية؛ إنها صراع على الذاكرة المسيحية نفسها، وعلى من يملك حق مخاطبة وجعها واستثماره. أما ما يُتداول في الكواليس عن حجم التوتر الشخصي والسياسي بين سامي الجميل وسمير جعجع، وما يُنقل عن مجالسه الضيقة من امتعاض حاد تجاهه، فيبقى مؤشرًا إضافيًا إلى أن كثيرًا من الخطاب العلني ليس إلا واجهة لمعركة زعامة داخل البيت السياسي المسيحي، أكثر مما هو مشروع وطني متماسك.
ليست المشكلة في المطالبة بالحقيقة. المشكلة في تحويل الحقيقة إلى سلعة انتخابية، والذاكرة إلى منصة مزايدة، والدم إلى عنوان يُستخدم لتغطية إخفاقات أكبر. العدالة لا تكون انتقائية. والسيادة لا تكون انتقائية. ومن يريد محاكمة التاريخ، عليه أن يقبل بأن تُفتح كل الدفاتر، لا الدفتر الذي يخدم صورته فقط.
إن ما ورثه لبنان من تلك المرحلة لم يكن اتفاقًا سقط فحسب، بل نهجًا كاملًا يقوم على الاعتقاد بأن الخارج يستطيع أن يمنح الداخل ما عجز عن بنائه: شرعية، حماية، توازنًا، وموقعًا. لكن التجارب المتكررة أثبتت أن الخارج لا يعطي مجانًا، وأن من يدخل إلى التسويات بلا أوراق قوة يخرج منها مثقلًا بالشروط.
من 17 أيار إلى اليوم، الدرس واحد: لا سيادة تُصنع تحت الإملاء، ولا دولة تُبنى بالخوف من العدو، ولا مستقبل يُصاغ بذاكرة مبتورة. لبنان ليس بحاجة إلى من يجمّل الهزائم القديمة، بل إلى من يعترف بأن بعض الخيارات كانت كارثية، وأن بعض الرهانات فتحت الباب أمام مزيد من الانقسام والاحتلال والوصايات.
اللبنانيون لا ينسون بسهولة، حتى لو صمتوا. يتذكرون أن الاتفاقات التي تُفرض تحت النار لا تحمي وطنًا. ويتذكرون أن الرهان على إسرائيل لم يجلب إلا الخراب. ويتذكرون أن من يبيع التنازل باسم الواقعية، يعود لاحقًا ليطلب من الناس أن ينسوا الثمن.
لذلك، ليست 17 أيار صفحة قديمة في كتاب السياسة اللبنانية. إنها تحذير مفتوح. كل من يحاول إعادة إنتاج منطقها، بأي لغة جديدة، يرتكب الخطيئة نفسها: تحويل الضعف إلى خيار، والتنازل إلى سياسة، والذاكرة الوطنية إلى مادة قابلة للتزوير.
في النهاية، لا يحتاج لبنان إلى ورثة يلمّعون العار، بل إلى ذاكرة لا تخاف تسمية الأشياء بأسمائها. اتفاق 17 أيار لم يكن شجاعة. كان سقوطًا في وهم الحماية الأجنبية. ومن لم يفهم ذلك حتى اليوم، لا يقرأ التاريخ، بل يحاول بيعه من جديد.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :