عندما يتكلم التاريخ من فم "المُدان".. عظة جعجع وزيف الشرعية الأخلاقية

عندما يتكلم التاريخ من فم

 

 

 

 

خاص ايكون نيوز

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز 

ليس هذا النص محاولةً لحيادٍ زائف، ولا تقريراً إخبارياً يسجل الوقائع برودّة؛ بل هو موقفٌ سياسيٌّ صريح الانحياز، يستند إلى ذاكرةٍ موثقة ووقائعَ لا تُنسى. نحن هنا لنقرأ السجال بين وليد جنبلاط وسيمير جعجع، ليس كخلافٍ كلاميٍّ عابر، بل كمراةٍ تكشف عن هشاشة الأسس التي يقف عليها كل منهما.

 

حين يكتب سمير جعجع رده على كتاب وليد جنبلاط الأخير، مستخدماً لهجةَ الواعظِ الذي "يذكّر" الجميع بأن "التاريخ لا يعود إلى الوراء"، يفرض نفسه سؤالٌ محوريٌّ قبل أيّ تحليلٍ آخر: من يخاطب من؟ ومن يملك فعلياً موقعَ الوعظ الأخلاقي والسياسي في هذه المعادلة؟

 

جعجع يقرّ في تغريدته بأن اتفاقية الهدنة كانت الأساس القانوني للعلاقة اللبنانية الإسرائيلية، ثم يبادر فوراً إلى تعميم المسؤولية عن إسقاطها على "الكل"، بصيغة ذكية لكنها انسحابية، تُذيب المساءلة المحددة في سردية واسعة عن "التاريخ" و"أيام لا تنتظر أحداً". هذه لغة مألوفة للسياسي الذي يريد تجنب مواجهة سجله الخاص: يتحدث عن "الجميع" و"الحتميات التاريخية" بدلاً من الحديث عن نفسه وحزبه.

 

لكن التاريخ، للأسف أو للحسن، لا يمكن القفز فوقه. لا يمكن فصل هذا التعالي الأخلاقي المفترض عن سجل سمير جعجع الفعلي خلال الحرب الأهلية، وهو سجلٌ موثق قضائياً وليس مجرد اتهامٍ سياسيٍّ عابر:

قضية اغتيال داني شمعون وعائلته عام 1990، حيث أُدين جعجع بالمسؤولية وحُكم عليه بالإعدام قبل تخفيف الحكم، ليصدر لاحقاً عفوٌ خاصٌ بحقه عام 2005 بقرارٍ سياسٍ من مجلس النواب، وليس ببراءةٍ قضائيةٍ تسقط الوقائع.

دوره في حروب الإلغاء الداخلية داخل الساحة المسيحية نفسها في الثمانينيات، والتي استهدفت تصفية قوى مسيحية منافسة، قبل أن تتحول هذه المواجهات لاحقاً إلى خصومة سياسية يعيد جعجع اليوم تدويرها بخطاب "الدولة" و"السيادة".

سنوات سجنه (1994-2005) لم تكن، كما يُروَّج أحياناً، سجن "معارض سياسي"، بل نتيجة أحكام قضائية بجرائم موصوفة، حتى لو اختلفت التفسيرات حول سياق المحاكمة.

 

من يحمل هذا السجل، ثم يخاطب خصمه السياسي بنبرة من يمتلك صك الحكمة التاريخية ويذكره بـ"عدم البكاء على الأطلال"، يمارس عكس المنطق تماماً. الأولى بمن يحمل ماضياً كهذا أن يلتزم قدراً من التواضع السياسي، لا أن ينتقل مباشرة إلى موقع المحاسب الأخلاقي للآخرين.

 

في المقابل، ورغم أن سجل وليد جنبلاط السياسي حافل بتبدّل التحالفات – وهو أمر معروف ولا ينكره هو نفسه غالباً – فإن ثمة مواقف وطنية جوهرية يُحسب له فيها التقاط اللحظة الصائبة في محطات مفصلية:

تحذيره المبكر من مخاطر الانزلاق نحو حروب داخلية جديدة، ودعوته المتكررة إلى نزع فتيل التوتر الطائفي في لحظات كانت خطابات أخرى تصب الزيت على النار.

مواقفه من العلاقة مع سوريا بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، حين اتخذ قراراً واضحاً بالانضمام إلى قوى 14 آذار والمطالبة بانسحاب الجيش السوري، في لحظة حملت مخاطر شخصية حقيقية عليه.

قراءته الواقعية والمبكرة لموازين القوى الإقليمية، وتحذيره المتكرر من الانجرار إلى مغامرات عسكرية لا يملك لبنان مقوماتها، خطاب يبدو اليوم أكثر واقعية من الخطابات الحماسية التي لم تراكم سوى مزيداً من الخسائر.

 

هذا لا يعني تنزيه جنبلاط عن النقد؛ لكن الفرق الجوهري هو أن نقد جنبلاط ينصب على "المرونة السياسية المفرطة"، بينما ما يطرح على جعجع هو مساءلة عن دم مسفوك ومحاكمات قضائية، فرق نوعي لا يجوز طمسه بلغة "الكل مسؤول".

 

خلاصة القول: حين يتحدث سمير جعجع عن "استدراك ما وصلنا إليه بدلاً من البكاء على الأطلال"، يحق لأي متابع أن يسأله: من الذي صنع جزءاً كبيراً من هذه الأطلال أصلاً؟ العظة الأخلاقية تفقد قيمتها حين تصدر ممن لم يحاسب نفسه أولاً، بينما تكتسب مصداقية أكبر حين تصدر ممن راكم مواقف وطنية واضحة في لحظات الاختبار الحقيقية، كما فعل جنبلاط في أكثر من محطة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي