إعداد: القسم العلمي والتاريخي في ايكون نيوز
في زمنٍ كانت فيه أوروبا تغرق في ظلمات الجهل، كان هناك عقلٌ عربي فريد في البصرة والقاهرة، ينسج خيوط الحضارة الحديثة. إنه الحسن بن الهيثم، العالم الموسوعي الذي لم يغير فقط مفهومنا عن الضوء والرؤية، بل أهدى البشرية "المنهج العلمي التجريبي"؛ الأداة التي قادت كل الاكتشافات التكنولوجية التي نعيشها اليوم.
اليوم، ونحن نلتقط الصور بهواتفنا الذكية أو ننظر إلى النجوم عبر التلسكوبات، فإننا نستخدم -دون أن ندري- إرث هذا العبقري الذي وُلد في الأول من يوليو عام 965 ميلادية.
الثورة الكبرى: كيف صحح ابن الهيثم خطأ الفلاسفة؟
لقرون طويلة، استسلم العلم لنظرية الفلاسفة الإغريق الكبار، مثل إقليدس وبطليموس، والذين قالوا إن العين تخرج أشعة ضوئية تسقط على الأشياء فنراها. وظل هذا المفهوم سائداً كحقيقة مطلقة لا تقبل الجدال.
لكن ابن الهيثم رفض التسليم بالمنطق النظري دون تجربة. من خلال أبحاثه المعمقة، أثبت العبقري العربي العكس تماماً: **"العين لا تخرج ضوءاً، بل الضوء ينعكس من الأجسام ويدخل إلى العين لنتمكن من الرؤية"**. ودلل على ذلك بمثال بسيط وصادم في آن واحد: "إذا نظرت إلى الشمس، فستؤلمك عينك؛ ولو كانت العين هي من تخرج الضوء، لما تألمت من النظر إليها".
هذا الاكتشاف لم يكن مجرد تصحيح لمعلومة، بل كان ولادة جديدة لـ "علم البصريات الحديثة".
من عتمة الغرفة المظلمة إلى ثورة "الكاميرا" الرقمية
أحد أعظم إنجازات ابن الهيثم التجريبية تجسد في اختراعه لـ **"البيت المظلم"** أو **"القمقم"** (وهي غرفة مظلمة تماماً بها ثقب صغير يسقط منه الضوء ليعكس الصورة الخارجية مقلوبة على حائط مواجه).
هذه التجربة لم تكن تسلية علمية، بل كانت الحجر الأساس الذي بُنيت عليه فكرة الفوغراف والسينما. والجدير بالذكر أن كلمة **"كاميرا"** المستخدمة عالمياً اليوم، ليست سوى تحريف لغوي للكلمة العربية **"قُمرة"**، والتي تعني الغرفة المظلمة التي استخدمها ابن الهيثم في تجاربه.
الأب الشرعي للمنهج العلمي الحديث
رغم عبقريته في الفيزياء والرياضيات والفلك، فإن الإرث الأكبر لابن الهيثم يكمن في طريقة تفكيره. قبل عصر النهضة الأوروبية بقرون، وقبل روجر بيكون وفرانسيس بيكون، وضع ابن الهيثم قواعد "المنهج العلمي التجريبي".
كان يرى أن النفس البشرية ميالة للخطأ والتعصب للآراء القديمة، ولذلك كتب في كتابه الشهير **"المناظر"**:
> "الشخص الذي يبحث عن الحقيقة ليس هو من يدرس كتابات القدماء ويسلم بها.. بل هو من يشك فيها ويسأل الأسئلة، ومن يخضع إداركه للبحث والتجربة".
جعل ابن الهيثم التشكيك، ثم التجربة، ثم الاستنباط الرياضي، الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة العلمية، وهو تماماً ما يسير عليه العلماء في مختبرات "ناسا" ومراكز الأبحاث الدولية اليوم.
إرث حيّ لا يموت
لم يكن ابن الهيثم مجرد عالم مرّ في التاريخ، بل اعترفت البشرية بفضله؛ حيث أطلقت وكالة الفضاء الدولية اسمه على إحدى الفوهات البركانية على سطح القمر، وتكريماً له، أعلنت منظمة "اليونسكو" عام 2015 "العام الدولي للضوء" واحتفت بالذكرى الألفية لكتابه "المناظر".
إن قصة الحسن بن الهيثم هي تذكير دائم بأن العقل العربي عندما يُمنح المساحة للبحث والتفكير، فإنه لا يواكب العصر فحسب، بل يصنع العصر ويقود العالم نحو المستقبل.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :