الدعارة في لبنان: بين القانون والكرامة

الدعارة في لبنان: بين القانون والكرامة

 

 

 

 

كتبت الدكتورة رشا ابو حيدر 

تعود بين فترة وأخرى إلى الواجهة في لبنان الدعوات إلى تشريع الدعارة، فتثير نقاشًا يتجاوز حدود القانون الجنائي ليصل إلى صميم وظيفة الدولة: هل تكتفي بمواجهة الظواهر القائمة عبر التجريم، أم تتدخل لتنظيمها عندما تعجز القواعد الجزائية وحدها عن القضاء عليها؟

 

إن مقاربة هذه المسألة تتطلب بداية التمييز بين أمرين: الاعتراف بوجود ظاهرة اجتماعية، وبين منحها شرعية قانونية. فوجود الدعارة كواقع لا يعني بالضرورة أن الحل هو تقنينها، كما أن تجريمها وحده لا يكفي إذا لم ترافقه سياسات اجتماعية وقانونية تعالج أسبابها وتحمي الأشخاص الأكثر عرضة للاستغلال.

 

من المنظور الدستوري، يقوم النظام اللبناني على احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان، لكن هذه الحريات ليست مطلقة، بل تمارس ضمن إطار يحفظ النظام العام والآداب العامة وحقوق الآخرين. وبالتالي فإن أي تشريع في هذا المجال يجب أن يوازن بين الحرية الفردية وبين واجب الدولة في صون كرامة الإنسان ومنع تحويله إلى أداة تجارية.

 

أما من الناحية القانونية، فإن جوهر الإشكالية لا يتعلق فقط بالفعل الفردي، بل بالبيئة المحيطة به: هل نحن أمام اختيار حر فعلًا، أم أمام نتيجة لضغوط اقتصادية واجتماعية أو حالات استغلال وإكراه؟ فالقانون الدولي، ولا سيما في مجال مكافحة الاتجار بالبشر، يركّز على حماية الإنسان من الاستغلال، لأن موافقة الضحية في بعض الظروف لا تلغي وجود الاستغلال أو عدم التكافؤ في العلاقة.

 

ويطرح أنصار التشريع حججًا تقوم على فكرة أن التنظيم قد يكون أكثر واقعية من المنع، إذ يسمح للدولة بالمراقبة، ويحدّ من نشاط الشبكات السرية، ويؤمن آليات صحية وقانونية. إلا أن هذا الطرح يواجه إشكالية أساسية: هل تستطيع دولة تعاني من ضعف الرقابة والمؤسسات أن تضمن أن يتحول التشريع إلى حماية فعلية بدل أن يصبح غطاءً لمزيد من الاستغلال؟

 

في المقابل، يرى المعارضون أن التشريع قد يرسل رسالة اجتماعية خطيرة مفادها قبول تحويل الجسد البشري إلى سلعة، وأن الحل لا يكون بإدارة الظاهرة بل بمعالجة جذورها، عبر مكافحة الفقر، دعم الفئات الهشة، وتعزيز الحماية الاجتماعية.

 

إن التجارب المقارنة بين الدول التي اختارت نماذج مختلفة لا تقدم جوابًا واحدًا، لأن نجاح أي نموذج مرتبط بقوة المؤسسات، وفعالية القضاء، وقدرة الدولة على منع الاستغلال. فالقانون وحده لا يصنع حماية ما لم توجد إرادة سياسية وأجهزة قادرة على تطبيقه.

 

لذلك فإن النقاش في لبنان يجب ألا يُختصر بشعار "التشريع أو التجريم"، بل يجب أن ينطلق من سؤال أعمق: ما هو الخيار الذي يحقق أكبر قدر من حماية الإنسان وكرامته؟ فالقانون لا يُقاس فقط بقدرته على تنظيم الواقع، بل بقدرته على منع أن يصبح الإنسان ضحية لهذا الواقع.

 

إن الدولة التي تحترم الإنسان ليست فقط الدولة التي تعاقب عند وقوع الضرر، بل الدولة التي تمنع الظروف التي تسمح بحدوثه. فالقانون الأسمى ليس الذي يكتفي بضبط السلوك، بل الذي يحفظ للإنسان قيمته، ويجعل من كرامته الحدّ الذي لا يجوز لأي تشريع أن يتجاوزه.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي