عندما تصبح الإساءة هتافًا... تكون التربية هي الخاسر الأكبر

عندما تصبح الإساءة هتافًا... تكون التربية هي الخاسر الأكبر

 

 

 

 

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز 

 

في الدول التي تحترم نفسها، يبقى الاختلاف مع المسؤول حقًا مشروعًا، أما إهانته فليست حرية رأي، بل سقوط في أخلاقيات العمل العام. وما شهدناه من هتافات مسيئة طالت وزيرة التربية الدكتورة ريما كرامي لا يمكن تبريره تحت أي عنوان، لأن القضية لم تعد مرتبطة بقرار إداري أو موقف سياسي، بل أصبحت امتحانًا لقيم المجتمع وللرسالة التي يُفترض أن تحملها المؤسسات التربوية.

 

يمكن لأي مواطن، وأي طالب، أن يعترض على سياسة الوزارة، وأن يطالب بحقوقه، وأن يرفع صوته دفاعًا عن مطالبه. لكن الانتقال من لغة الحجة إلى لغة الشتيمة لا ينتصر لقضية، بل يسيء إليها، ويكشف أزمة في ثقافة الحوار أكثر مما يكشف خللًا في أداء المسؤول.

 

الدكتورة ريما كرامي ليست شخصية طارئة على الشأن التربوي. فهي صاحبة مسيرة أكاديمية وبحثية طويلة، كرّست سنوات من حياتها للعمل في تطوير التعليم والبحث العلمي، واكتسبت احترامًا داخل لبنان وخارجه بفضل كفاءتها وخبرتها. وقد يختلف البعض مع قراراتها أو إدارتها للوزارة، لكن من الظلم اختزال هذا التاريخ المهني بكلمات جارحة أو هتافات لا تمت إلى النقد المسؤول بصلة.

 

إن التربية ليست مجرد مناهج وامتحانات وشهادات، بل هي قبل كل شيء بناء شخصية الإنسان واحترامه للآخر، خصوصًا عندما يختلف معه. فإذا كانت المدرسة والجامعة ستنتجان أجيالًا ترى في الإهانة وسيلة للتعبير، فإن الخلل لا يكون في الوزير وحده، بل في الثقافة التي نزرعها في أبنائنا.

 

إن الدفاع عن الدكتورة ريما كرامي اليوم ليس دفاعًا عن شخص أو عن موقع وزاري، بل دفاع عن فكرة أن الكرامة الإنسانية لا تسقط بالاختلاف، وأن المسؤول، أيًّا يكن اسمه، يستحق أن يُحاسب بالوقائع والإنجازات والقرارات، لا بالشتائم والإهانات.

 

فالمعارضة الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بقوة الحجة. والنقد البنّاء لا يحتاج إلى ألفاظ نابية كي يكون مؤثرًا. أما الشعبوية التي تستبدل المنطق بالإساءة، فلا تبني وطنًا، ولا تُصلح تعليمًا، ولا تُخرّج أجيالًا قادرة على قيادة المستقبل.

 

يبقى الأمل أن تكون هذه الحادثة مناسبة لإعادة التأكيد على أن المدرسة اللبنانية يجب أن تكون مساحة لتعليم الحوار والاحترام، قبل أن تكون مكانًا لتلقين الدروس. فالأوطان التي تحفظ هيبة مؤسساتها وتحترم أهل الكفاءة، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أفضل لأبنائها..

وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نحيّي وزيرة التربية الدكتورة ريما كرامي على ثباتها في الدفاع عن رسالة العلم والتعليم، وإيمانها بأن بناء الأوطان يبدأ من المدرسة قبل أي مكان آخر.

 

فمهما اشتدت حملات التجريح، يبقى الرهان على أصحاب الكفاءة والضمير، لأن الأمم تُبنى بالعلم، وترتقي بالمعرفة، وتنتصر بالأخلاق.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي