الإقامة الذهبية... بين منطق الاستثمار ومنطق الخوف

الإقامة الذهبية... بين منطق الاستثمار ومنطق الخوف

الإقامة الذهبية... هل يُعاقَب لبنان لأنه يحاول النهوض؟

 

 

 

 

خاص Icon News 

في بلد أنهكته الأزمات المالية والاقتصادية، يصبح البحث عن أي نافذة قادرة على استقطاب الرساميل والاستثمارات أمراً بديهياً، لا ترفاً سياسياً ولا خياراً ثانوياً. فالدول التي تسعى إلى النهوض لا تنتظر الظروف المثالية كي تتحرك، بل تبادر إلى ابتكار أدوات جديدة لجذب المستثمرين وتحفيز الاقتصاد وإعادة تحريك عجلة الإنتاج.

 

من هنا يبرز مشروع الإقامة الذهبية كإحدى المحاولات الرامية إلى وضع لبنان على خارطة الدول التي تتنافس لاستقطاب رؤوس الأموال، في وقت تتجه فيه عشرات الدول حول العالم إلى اعتماد برامج مشابهة، انطلاقاً من قناعة بأن الاستثمار لم يعد يبحث فقط عن الأرباح، بل عن بيئة قانونية وضريبية جاذبة ومستقرة.

 

النقاش حول أي مشروع اقتصادي حق مشروع، بل هو ضرورة، لكن الفرق كبير بين النقاش الهادف إلى تحسين المشروع وتطويره، وبين التعامل معه وكأنه تهديد يجب إسقاطه قبل أن يرى النور. فالتجارب الاقتصادية لا تُقاس بالشائعات ولا بالأحكام المسبقة، بل بقدرتها على تحقيق أهدافها ضمن الأطر القانونية والرقابية التي تحكمها.

 

لبنان اليوم لا يملك رفاهية إقفال الأبواب أمام المستثمرين، ولا ترف رفض المبادرات التي قد تساهم في ضخ السيولة وتحريك قطاعات الإنتاج والعقار والخدمات. فالبلد يحتاج إلى استعادة الثقة أولاً، لكن هذه الثقة لا تُبنى بالانتظار، بل بإرسال إشارات واضحة إلى العالم بأن هناك إرادة لفتح صفحة اقتصادية جديدة.

 

وصحيح أن الإقامة الذهبية لن تشكل بمفردها حلاً للأزمة الاقتصادية العميقة التي يعيشها لبنان، إلا أن الصحيح أيضاً أن مسار التعافي لا يبدأ بخطوة واحدة سحرية، بل بمجموعة إجراءات متكاملة تفتح الطريق أمام النمو والاستثمار واستعادة الثقة الداخلية والخارجية.

 

ولا يمكن مقاربة مشروع الإقامة الذهبية بمعزل عن الدور الذي لعبته لجنة المال والموازنة برئاسة النائب إبراهيم كنعان، والتي لم تتعامل معه بوصفه نصاً جاهزاً، بل خضع لمراجعة دقيقة أدت إلى إدخال تعديلات جوهرية وتشديد الضوابط القانونية والمالية المرتبطة به. فالمشروع الذي أُنجز داخل اللجنة لم يأتِ لتقديم امتيازات مجانية أو فتح أبواب الاستثمار بلا ضوابط، بل جاء ضمن رؤية تسعى إلى تحقيق توازن بين جذب الرساميل وحماية المصلحة الوطنية، من خلال إخضاعه للرقابة القانونية والمالية اللازمة.

 

واللافت أن اللجنة نفسها لم تقدّم المشروع على أنه عصا سحرية لإنقاذ الاقتصاد، بل كجزء من ورشة تشريعية متكاملة تشمل إعادة الانتظام المالي، ومتابعة التشريعات المرتبطة بالتعافي الاقتصادي، والسعي إلى خلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمار والإنتاج.

 

أما التحدي الحقيقي، فلا يكمن في إقرار القوانين فحسب، بل في قدرتنا على الانتقال من ثقافة التشكيك الدائم إلى ثقافة التقييم الموضوعي. فالمشاريع تُحكم بنتائجها لا بالانطباعات المسبقة، والاستثمارات تُستقطب بالاستقرار والرؤية الواضحة، لا بالمناخات السلبية التي تجعل أي فرصة جديدة موضع اتهام قبل أن تبدأ.

 

يبقى أن لبنان، الذي لطالما كان مركزاً للأعمال والخدمات في المنطقة، يحتاج اليوم إلى كل مبادرة قادرة على إعادة تحريك اقتصاده، شرط أن تكون محكومة بالشفافية والرقابة والقانون. فبين منطق الاستثمار ومنطق الخوف، هناك مستقبل بلد بأكمله ينتظر من يختار الطريق الصحيح.

 

فإذا كان اللبنانيون يجمعون على أن البلاد تحتاج إلى النهوض، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا نجرّب مشروعاً جديداً، بل لماذا نحارب كل مشروع قبل أن يُختبر؟ لأن الدول تُبنى بالمبادرات والعمل والإصلاح، لا بإقفال الأبواب أمام كل فرصة قد تحمل أملاً بمستقبل أفضل.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي