إلى نصري الصايغ... لا يحق للحارس أن يغادر قبل الفجر
بقلم روني الفا
يا صديقي ومعلِّمي،
في هذه الأيام أفكر فيك كثيراً. أراك جالساً بين الكتب التي كتبتها، وبين الموسيقى التي ترافق تأملاتك الطويلة، وبين صور السنوات التي عبرت من حياتك مثل نهر حمل معه وجوهاً وأسماءً وأحلاماً وأسئلة. أراك تنظر إلى رفوف مكتبتك فلا ترى ما أراه. ترى عشرات الكتب المتراكمة، بينما أرى أعماراً كاملة تحولت إلى أثر. ترى أوراقاً وحروفاً، بينما أرى طرقاً طويلة عبرها قراء كثيرون نحو أنفسهم. ترى مكتبة تضيق بك، بينما أرى حياة اتسعت لآلاف العقول.
منذ أيام قليلة رحلت شقيقتك نيللي. أكتب اسمها فأراها كما عرفتها أنت: امرأة تدخل المكان بخفة الضوء. كانت الطيبة تمشي معها أينما ذهبت، وكانت روحها المرحة تعرف كيف تترك ابتسامة حتى في أكثر اللحظات جدية. لم تكن تحتاج إلى كلام كثير كي يحبها الناس. كان في حضورها شيء من دفء البيوت القديمة، تلك التي تظل رائحتها عالقة في الذاكرة بعد سنوات من مغادرتها. وحين يرحل أحباء كهؤلاء، لا يغيب فرد من العائلة فقط، بل يتغير شيء في ترتيب العالم. يصبح الصمت أكبر، وتصبح الذكريات أثقل، وتتحول التفاصيل الصغيرة التي كنا نعبر فوقها بلا انتباه إلى كنوز نكتشف قيمتها متأخرين.
أعرف أنها لم تكن بالنسبة إليك مجرد شقيقة. كانت شاهدة على رحلة العمر كلها، على البدايات الأولى، وعلى الأحلام الأولى، وعلى السنوات التي صنعت فيها نفسك كتاباً بعد كتاب، وفكرة بعد فكرة، وموقفاً بعد موقف. وأعرف أن الحزن الذي يسكنك اليوم لا يحتاج إلى تفسير. لكنني أعرف أيضاً أن نيللي، كما عرفتها، لم تكن من الذين يحبون الاستسلام للحزن. كانت تنتمي إلى أولئك الذين يزرعون الفرح في وجوه الآخرين حتى عندما يحملون أوجاعهم بصمت.
ولهذا أخاطبك اليوم، لا لأواسيك فقط، بل لأذكّرك بما تمثله. أتذكر كتابك الأخير عن النبي محمد عليه السلام؟ لم تنظر إليه بوصفه شخصية دينية فحسب، بل ذهبت إلى محمد الإنسان الذي واجه العالم بعقل مفتوح وقلب ثابت، وإلى محمد السياسي الذي عرف أن التاريخ لا يُصنع بالقوة وحدها، بل بالبصيرة. رأيت فيه الرجل الذي أدرك أن الحكمة ليست نقيض الشجاعة، وإنما صورتها الأكثر نضجاً. كنت تلاحق في تلك الصفحات سرّ القدرة على تحويل الفكرة إلى قوة، والصبر إلى انتصار، والوعي إلى فعل تاريخي.
كلما قرأتك هناك، شعرت أنك كنت تفتش أيضاً عن شيء من سيرتك أنت. ليس لأن المقامات تُقارن، فذلك باب لا يجوز دخوله، وإنما لأن الرحلات الإنسانية تتشابه أحياناً. هو واجه قبائل من العصبيات والأوهام، وأنت واجهت طوال حياتك قبائل من الأفكار الجاهزة والأحكام المسبقة. هو راهن على الكلمة حين كانت السيوف أعلى صوتاً، وأنت راهنت على الفكر حين كان الضجيج أكثر رواجاً. وهو عرف أن الطريق الطويلة تحتاج إلى صبر، وأنت أمضيت عمرك تمارس فضيلة الصبر الفكري في زمن كان يطلب الأجوبة السريعة ويخاف من الأسئلة الكبيرة.
في الآونة الأخيرة، وأنا أفكر بك، عاد إليّ إدغار موران. ذلك الوقور الذي عاش قرناً كاملاً وهو يتأمل العلاقة الغامضة بين الحياة والموت. كان يرى أن الموت لا يأتي في نهاية الحياة فقط، بل يسير معها منذ البداية. يرافقها مثل ظلها. فكل شيء حي يحمل في داخله بذور فنائه، وكل شيء يفنى يترك وراءه بذور استمرار جديدة. وكان يقول إن الإنسان لا ينتصر على الموت بهزيمته، بل بتوسيع مساحة الحياة داخله حتى اللحظة الأخيرة.
حين تذكرت موران، تذكرتك. وأدركت أن ما يقلقني ليس الموت، فالموت قدر الجميع، وإنما أن تتقاعد عن الحياة قبل أن تفرغ الحياة من أسئلتها معك.
أنت الذي أمضيت عمرك كله تقاوم أشكال الموت المختلفة: موت الفكر باليقين، وموت السياسة بالتعصب، وموت الثقافة بالكسل، وموت الإنسان حين يتوقف عن طرح الأسئلة.
كيف لك الآن أن تمنح التعب ما لم تمنحه للهزائم؟ وكيف تمنح اليأس ما لم تمنحه للأيديولوجيات التي واجهتها طوال عمرك؟ لا يا صديقي. الحياة ليست ما مضى فقط. الحياة أيضاً هي الذي ما يزال ممكناً. وما يزال ممكناً أمامك الكثير: كتاب جديد، فكرة جديدة، دهشة جديدة، وقارئ لم يولد بعد سيعثر بعد سنوات على كتاب من كتبك في مكتبة ما، فيشعر أن رجلاً لم يره قط استطاع أن يفتح له نافذة في جدار روحه.
ذلك القارئ المجهول هو أحد أسباب بقائك، فالكتّاب الحقيقيون لا يعيشون داخل أعمارهم فقط، بل يعيشون داخل أعمار الآخرين أيضاً.
أنظر حولك يا نصري. في أي زمن نعيش؟ إنه زمن تكثر فيه الكتابة ويقل فيه الكتّاب. زمن تتدفق فيه الكلمات كما تتدفق السيول بعد العاصفة، لكنك تمشي طويلاً فلا تعثر على نبع. امتلأت الشاشات بالنصوص، وامتلأت المنصات بالآراء، وامتلأت الدنيا بضجيج يشبه الكلام. أما الأقلام التي تعرف كيف تحفر في طبقات الإنسان والتاريخ فقد أصبحت نادرة كالمخطوطات النفيسة.
صرنا نرى أصابع كثيرة تكتب، لكننا نرى قليلاً من العقول التي تفكر. صرنا نسمع خطباء أكثر، ونعثر على حكماء أقل. ولهذا لا يحق لك أن تتقاعد. لا لأنك مدين لأحد، بل لأن الزمن نفسه مدين لك. الزمن الذي يخسر كل يوم صوتاً عاقلاً يحتاج إلى الأصوات التي بقيت واقفة رغم التعب، وأنت واحد من هذه الأصوات.
دعني أعترف لك بشيء. حين كنت أبحث عن طريقي في القراءة والكتابة، لم أكن أقرأك فقط، بل كنت أتعلم منك. فتحت أمامي أبواباً لم أكن أعرف أنها موجودة. أريتني أن الثقافة ليست استعراض معرفة، وإنما مسؤولية أخلاقية. وأن الكاتب الحقيقي لا يوزع الأجوبة على الناس، وإنما يساعدهم على اكتشاف أسئلتهم. لهذا لا أستطيع أن أنظر إلى رفوف مكتبتك كما تنظر إليها أنت. أنا لا أرى كتباً، بل أرى بصمات. أرى أرواحاً تركت شيئاً من نورها في هذه البلاد. وأرى رجلاً ما زال لديه ما يقوله.
يا نصري، لقد كتبت يوماً عن رسول الإسلام وهو يبني أمة بالكلمة والصبر والرؤية البعيدة. واليوم أراك واقفاً أمام سيرتك الخاصة. فلا تنظر إلى الكتب كما ينظر المتعب إلى حمله القديم. انظر إليها كما ينظر البستاني إلى أشجاره بعدما كبرت. بعضها صار ظلاً، وبعضها صار ثمراً، وبعضها صار بذوراً تسافر وحدها نحو أراضٍ لا يعرفها.
أما نيللي، فأكاد أراها تبتسم من مكانها الجديد وهي تسخر برقتها المعهودة من كل هذا الحزن الثقيل. وأكاد أسمعها تقول لك إن الوقت ما زال مبكراً على الرحيل.
دع الموسيقى تعزف، ودع الذكريات تمرّ بهدوء، لكن لا تغلق باب مكتبك، ولا تطفئ المصباح. اترك نافذة واحدة مفتوحة على الأقل. فربما كانت فكرة جديدة في الطريق إليك، وربما كان كتابك الأجمل لم يُكتب بعد لأن الذين أمضوا حياتهم يوقظون العقول لا يحق لهم أن يناموا قبل أن يسلّموا المصباح إلى اليد التالية. وأنت ما زلت تمسك المصباح. فابقَ قليلاً. ليس من أجل الماضي. من أجل ذلك الجزء من المستقبل الذي ما زال ينتظرك.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :