بدأت شهرة المشروع بطريقة عفوية للغاية، إذ أنه في أغسطس/ آب عام 2024، كان غران يراقب بلا اهتمام شقيقه ووالده وهما يصنعان طاولة لشرفته، عندما لاحظ أنه يستطيع سماع جميع الأحاديث التي تدور بين المارة في الشارع أسفل المبنى.
عندها انتقل ببصره إلى فرن البيتزا المجاور، ثم عاد لينظر إلى شقيقه الماهر في الأعمال اليدوية. خلال ثوانٍ فقط خطرت له فكرة مشروع جانبي جديد، أي بيع البيتزا للزبائن من الجو باستخدام نظام حبال وسلال.
يتذكر غران، البالغ من العمر 30 عاماً، أنه عندما طرح الفكرة على شقيقه، قال إنها "فكرة رائعة"، مضيفًا أنه "في عطلة نهاية الأسبوع التالية عاد وقد صنع نظام البَكرة بالكامل من دون أن يخبرني مسبقاً".
ووصف نفسه بأنه شخص مندفع وسريع الملل، لذلك يحب الانتقال باستمرار من فكرة ممتعة إلى أخرى دون تردد.
بعد ذلك قام بتعليق الملصقات في أنحاء الحي، داعياً الأصدقاء والغرباء إلى الافتتاح الرسمي للمطعم المؤقت، مع قاعدة واحدة فقط، أي ممنوع دخول الزبائن إلى المنزل.
في يوم الافتتاح، نجحت 23 بيتزا في الوصول بأمان إلى الزبائن عبر سلة بنية من الخوص أُنزلت من الشرفة. كان غران يخطط لإقامة بعض الفعاليات الإضافية فقط قبل إنهاء التجربة، لكن تزايد عدد الزبائن وردود الفعل الإيجابية جعلاه يتراجع عن فكرة الإغلاق سريعاً.
بمرور الوقت، تحول شارع Sigurds gate، وهو شارع جانبي هادئ يبعد نحو 40 دقيقة سيراً على الأقدام عن مركز أوسلو، إلى وجهة تجذب الفضوليين ومحبي البيتزا، حيث بدأت الطوابير تطول أكثر فأكثر.
قال غران: "كان من المستحيل التوقف، لأن التجربة جميلة للغاية. إنها ممتعة للزبائن، ولمن يعملون فيها، وحتى للشارع نفسه".
بعد عامين من انطلاق المشروع، أصبحت "بيتزا من الشرفة" منظومة منظمة يديرها أكثر من 30 متطوعاً. ويعمل المطعم ساعتين فقط أسبوعياً ولمدة 16 أسبوعاً في السنة، بينما يتم الإعلان عن مواعيد البيع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتتم الطلبات بطريقة فريدة؛ إذ يجب على الزبائن الصراخ من الشارع إلى الشرفة لإبلاغ الفريق بنوع البيتزا الذي يريدونه حتى يُدرج اسمهم في قائمة الانتظار.
سُجل المشروع لدى هيئة سلامة الغذاء النرويجية، ويلتزم بالقواعد الخاصة ببيع الطعام من المطابخ المنزلية. ولا يحتاج إلى تراخيص إضافية، رغم أن المطاعم التجارية الكبيرة تخضع لقوانين أكثر صرامة.
أما الدفع فيتم عبر تطبيق " Vipps" النرويجي باستخدام رمز الاستجابة السريعة (QR) موجود على طاولة في الشارع. ونظراً لانشغال جميع المتطوعين على الشرفة، لا يستطيع الفريق التحقق من أن كل شخص قد دفع بالفعل.
وقال غران: "هذا المشروع يعكس مستوى الثقة الموجود في المجتمع النرويجي. أنتم تثقون بأنني ألتزم بمعايير النظافة الغذائية، وأنا أثق بأنكم دفعتم ثمن البيتزا. أعتقد أن هذا يُظهر أفضل ما في البشر".
تشمل هذه الثقة أيضاً الجيران، إذ أن كل سكان الشارع يحصلون على أولوية في الطلبات تقديراً لتسامحهم مع وجود المشروع أمام منازلهم. وأكّد غران أن ردود فعلهم كانت إيجابية للغاية باستثناء شكوى بسيطة تتعلق بالضوضاء.
خلال ساعات البيع، دعا غران موسيقيي الجاز والرسامين وفنانين محليين آخرين لعرض أعمالهم أمام الجمهور. كما سمح لمطاعم بيتزا أخرى وطهاة مستقلين باستخدام الشرفة لبيع منتجاتهم الخاصة، مع احتفاظهم بجميع الأرباح تقريباً.
وقد ساهمت مقاطع الفيديو المنشورة على منصة "إنستغرام"، والتي حققت أكثر من 15 مليون مشاهدة، في جذب اهتمام واسع من داخل النرويج وخارجها. حتى أن بعض مطاعم البيتزا قطعت مئات الكيلومترات للمشاركة في هذه التجربة الفريدة.
رغم هذا النجاح الكبير، لا يزال غران غير متحمس كثيراً لمنصات التواصل الاجتماعي. فهو يترك هاتفه الذكي في المنزل أثناء العمل، ولا يستخدم التطبيقات إلا لنشر تحديثات تخص المشروع.
ووصف الأمر بأنه "مفارقة"، نظرا لأن الشهرة التي تزيد الإعجاب بالمشروع تجعل جيرانه ينتظرون وقتاً أطول للحصول على البيتزا بسبب الطوابير الطويلة.
وأوضح: "يسعدني أن يحظى المشروع بالإعجابات، لكن ما يسعدني أكثر هو عندما يخبرني جيراني كم يحبون المكان والبيتزا. هذا هو الهدف الحقيقي".
لهذا السبب رفض غران العديد من المقترحات لتطوير المشروع وتحويله إلى نشاط تجاري أكبر، سواء عبر تطبيق خاص للطلبات، أو متجر إلكتروني، أو حتى نظام كهربائي لإنزال السلة.
وأضاف: "الفكرة الأساسية هي أن يبقى كل شيء بسيطاً وتقليدياً، بعيداً عن سرعة الحياة الحديثة. قد أحصل على الكثير من الاهتمام بصفتي رجل البيتزا، لكن الحقيقة أننا مجتمع كامل يعمل معاً. الأمر لا يتعلق بي وحدي، بل بمجتمعنا كله".
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :