في مستهل الملحمة، يجد أوديسيوس، المنهك من حرب طروادة، نفسه عالقاً في جزيرة نائية تحتجزه فيها الحورية كاليبسو، التي تعرض عليه الخلود والشباب الأبدي إذا اختار البقاء معها.
لكن أوديسيوس، بعدما أمضى عشر سنوات يقاتل إلى جانب أبطال الإغريق في حرب طروادة، لم يعد يتوق إلا إلى العودة إلى أسرته ووطنه، جزيرة إيثاكا، وأن "يرى ولو الدخان المتصاعد من أرض بلاده"، بحسب ترجمة الباحثة إميلي ويلسون لملحمة هوميروس.
غير أن إرث أوديسيوس لم يقتصر على أحداث الملحمة. فبحسب الأدلة الأثرية، ألهم هذا الملك الأسطوري ظهور عبادة دينية استمرت قرابة ألف عام.
وتشير الحفريات إلى أن تبجيل أوديسيوس ربما بدأ في القرن التاسع قبل الميلاد، عندما كانت قصته لا تزال تروى شفهياً عبر القصائد الملحمية، ويبدو أن هذه العبادة ازدادت انتشاراً بعد تدوين الأوديسة في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد.
وتسلط هذه الاكتشافات الضوء على العلاقة المعقدة بين البشر والأبطال الأسطوريين والمعتقدات الدينية في العالم القديم، كما تقدم فهماً أوسع لظاهرة عبادة الأبطال التي انتشرت في أنحاء مختلفة من العالم الإغريقي.
في الأوديسة، وبينما تتقاذف العواصف أوديسيوس في عرض البحر، يظل التفكير في موطنه إيثاكا مصدر القوة الذي يدفعه إلى مواصلة رحلته. ويقول في الكتاب التاسع من الملحمة: "لا بلاد يمكن أن تكون أعذب منها".
وفي إيثاكا، تنتظر أسرته وسكان الجزيرة عودته بفارغ الصبر. وتصفه زوجته بينيلوبي بأنه "شبيه بالآلهة"، و"زوج نبيل شجاع القلب، يفوق جميع الإغريق مهارة وشجاعة".
وخارج صفحات الملحمة، ترك أوديسيوس أثراً ملموساً في جزيرة إيثاكا، وهي جزيرة جبلية تقع غربي البر الرئيسي لليونان. وترسم الاكتشافات الأثرية في الجزيرة ومواقع أخرى صورة لشخصية أسطورية احتلت مكانة محورية في الحياة الدينية والمدنية لدى الإغريق القدماء.
وبدأت أعمال التنقيب في إيثاكا أواخر القرن التاسع عشر، وأسفرت عن اكتشاف مجموعة متنوعة من القطع الأثرية المرتبطة بأوديسيوس، من بينها تمثال نصفي برونزي صغير لبطل الملحمة الهوميرية.
كما عثر، في أواخر القرن التاسع عشر، بين أطلال مدينة يونانية قديمة تقع في تركيا الحالية، على مرسوم يذكر وجود مزار في إيثاكا مكرس لعبادة أوديسيوس، كان يعرف باسم "أوديسيون".
ويعود المرسوم إلى عام 207 قبل الميلاد، وقد أصدرته مدينة - دولة إيثاكا. كما يشير إلى مهرجان باسم "أوديسيا"، كان يقام تكريماً للبطل الإغريقي.
وفي عام 2025، قدم علماء آثار من جامعة يوانينا اليونانية أدلة أوضح ساعدت على تفسير هذه الاكتشافات السابقة. فقد أعلنوا العثور على شواهد تشير إلى أن أطلال مجمع ضخم يعرف باسم "مدرسة هوميروس" كانت تضم مزار "أوديسيون" في إيثاكا.
ويرجع تاريخ هذا المجمع إلى العصر الهلنستي، الممتد من القرن الرابع إلى القرن الأول قبل الميلاد.
وعثر علماء الآثار على أجزاء من ثلاث قرميدات كانت تستخدم في تغطية الأسطح، وقد حملت نقوشاً تتضمن اسم البطل الإغريقي أوديسيوس. وتقول عالمة الآثار كريستينا مارابيا، التي شاركت في أعمال التنقيب، إن هذه الاكتشافات تدعم تحديد موقع "مدرسة هوميروس" بوصفه مزار "الأوديسيون" المكرس لأوديسيوس.
وتحمل قطعتان من القرميد عبارة تعني "لأوديسيوس" أو "الخاصة بأوديسيوس" باليونانية القديمة. وتقول مارابيا إن هذه العبارة "تشير بوضوح إلى وجود مزار مكرس للبطل في الموقع".
وتوضح أن هذه الصيغة من النقوش معروفة من مزارات أخرى كانت مكرسة لآلهة شهيرة في العالم اليوناني القديم. فعلى سبيل المثال، عثر في تلك المزارات على قرميد يحمل عبارات من قبيل "لبوسيدون" و"لأبولو"، بما يدل على أن المباني كانت مكرسة لهذين الإلهين.
وبناء على ذلك، تشير عبارة "لأوديسيوس" المنقوشة على قرميد الأسطح في إيثاكا إلى أن هذا المزار كان مكرساً للبطل الأسطوري، بحسب مارابيا.
أما القطعة الثالثة، فتحمل نقشاً يبدو أشبه بإهداء يقول: "إلى أوديسيوس". وترجح مارابيا أن حاجاً تركها في الموقع.
وتوضح أن تقديم النذور كان من الطقوس الشائعة في كثير من المزارات القديمة. وكانت هذه النذور تشمل قطعاً مصنوعة من الطين أو البرونز، إلى جانب تماثيل صغيرة تحمل عبارات إهداء أو أدعية مقتضبة.
وتقدم هذه الاكتشافات مجتمعة "أدلة جديدة وحاسمة" على أن موقع "مدرسة هوميروس" كان مزاراً عاماً ومكاناً لاجتماع المواطنين المحليين، وأنه خُصص بالدرجة الأولى لعبادة أوديسيوس، بطل حرب طروادة، خلال العصر الهلنستي وبدايات العصر الروماني.
ويقول يانوس لولوس، الأستاذ الفخري لعلم آثار ما قبل التاريخ في جامعة يوانينا، الذي قاد البحث، إن الموقع جمع بين الوظيفة الدينية والدور المدني.
وتقول مارابيا: "كان مجلس المواطنين يعقد اجتماعاته في الأوديسيون، فيما يبدو أن مزار أوديسيوس، الذي تدل على وجوده بصورة أساسية قطعتا القرميد المختومتان باسمه، كان مركز العبادة في الموقع، وقصده حجاج من إيثاكا ومن خارجها لتبجيل البطل".
وتستند هذه الاكتشافات الجديدة إلى سلسلة من الأدلة الأثرية التي عثر عليها سابقاً في الجزيرة. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، اكتشفت داخل كهف ساحلي مخصص للطقوس الدينية في شمال غربي إيثاكا اثنتا عشرة مرجلاً برونزياً ثلاثية القوائم، يعود تاريخها إلى القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد.
وتقول عالمة الآثار كريستينا مارابيا إن هذه المراجل كانت على الأرجح قرابين نذرية قدمت تكريماً لأوديسيوس.
كما عثر في موقع أثري آخر في أيتوس، جنوبي إيثاكا، على مجموعة من العملات البرونزية. ويحمل أحد وجهي هذه العملات صورة لرأس أوديسيوس الملتحي، وهي صورة يقول عالم الآثار يانوس لولوس إنها "مألوفة لنا من عدد لا يحصى من الأعمال الفنية اليونانية والرومانية".
ويكشف المرسوم الذي عثر عليه في تركيا الحالية جوانب مختلفة من الطقوس والاحتفالات المرتبطة بأوديسيوس.
وتقول عالمة الآثار كريستينا مارابيا: "يتضمن المرسوم دعوة إلى شعب ماغنيسيا لحضور مهرجان الأوديسيا، مع منحه مقاعد شرف مميزة خلال الاحتفال".
وتضيف: "لا يمكننا الجزم بما كان يجري خلال هذا المهرجان، لكنه كان على الأرجح يشمل مسابقات رياضية وعروضاً أدائية للقصائد الملحمية".
ويرجح جويل كريستنسن، أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة مدينة نيويورك ومؤلف كتاب "لماذا أوديسيوس؟: الناجي والمخادع و(نقيض) البطل"، أن المهرجان ربما تضمن فعاليات مستوحاة من مغامرات أوديسيوس في ملحمة هوميروس، مثل رمي القرص والرماية بالقوس.
كما يحتمل أن المهرجان شهد تقديم قرابين حيوانية لأوديسيوس ولأثينا، إلهة الحكمة وراعيته في الملحمة، بحسب كريستنسن.
كانت المزارات المكرسة للأبطال الأسطوريين شائعة في أنحاء العالم اليوناني القديم، حيث كانت الحدود بين الأسطورة والواقع أكثر مرونة مما هي عليه في فهمنا الحديث.
ويقول جويل كريستنسن، أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة مدينة نيويورك: "حين كان الإغريق يؤسسون المستعمرات ويتاجرون في أنحاء البحر المتوسط، كانوا يحملون معهم آلهتهم وأبطالهم وحكاياتهم، ولذلك اكتسبت الشخصيات الأسطورية كثيرة الترحال أهمية خاصة".
ويضيف أن أبطالاً أسطوريين مثل هرقل، المعروف أيضاً باسم هيراكليس، الذي خاض مغامراته الاثنتي عشرة، وجاسون، الذي انطلق بحثاً عن "الصوف الذهبي"، ظهروا في مواقع مختلفة مخصصة لعبادة الأبطال.
ويشير كريستنسن إلى وجود عبادة لهرقل في روما منذ نحو عام 600 قبل الميلاد، فضلاً عن مزار مكرس له في جزيرة ثاسوس اليونانية.
ويرى أن عبادة الأبطال كانت ترتبط "ببناء الهوية، وربط الجماعة المحلية أو العائلة بشيء أكبر منها". ويقول: "كانت مواقع عبادة الأبطال تلبي حاجة إنسانية شديدة الأهمية، هي الشعور بالقرب من العالم الإلهي".
وكان هؤلاء الأبطال يعدون "أنصاف آلهة"، يرتبطون بأماكن قريبة من الناس ويمنحونهم صلة بالعالم الإلهي. ويرى كريستنسن أن أقرب ما يشبههم في العالم الحديث، على نحو تقريبي، هو القديسون في المسيحية.
ويضيف أن أوديسيوس "شخصية تتجاوز الحدود الفاصلة بين الحياة والموت". ففي الكتاب الحادي عشر من الأوديسة، يهبط البطل إلى العالم السفلي ليستشير عرافاً بشأن رحلة عودته إلى وطنه.
ويقول كريستنسن: "يتحدث إلى الموتى ثم يعود... ولذلك يمثل وسيلة قوية للانتقال من عالم إلى آخر".
وساعدت المواقع المخصصة لعبادة الأبطال أيضاً على ترسيخ مكانة دول المدن اليونانية وإبرازها في العالم الإغريقي القديم. ويقول جويل كريستنسن إنه مع تبلور ثقافة يونانية مشتركة تتجاوز حدود كل مدينة أو جزيرة، بدأت هذه الكيانات المستقلة "تكتب نفسها داخل سردية جماعية واحدة".
ويرجح الباحثون أن الأوديسة بدأت في صورة قصائد شفوية تناقلها الرواة والمنشدون، قبل أن تُدوَّن لاحقاً.
ويقول كريستنسن: "كانت الملاحم جزءاً من تقليد أسطوري حي ونابض، أخذ مع مرور الوقت يمنح روايات حرب طروادة مكانة أكبر من غيرها، ويرجع ذلك جزئياً إلى تبلور هوية يونانية أوسع".
ويضيف: "ومع انتقال الأوديسة من روايات محلية إلى قصة يتشاركها اليونانيون جميعاً، بدأ سكان إيثاكا يربطون جزيرتهم وتاريخها بأوديسيوس".
يعود تاريخ القطع الأثرية المكتشفة في إيثاكا إلى فترة تمتد من القرن التاسع قبل الميلاد حتى العصر الروماني، وتحديداً القرنين الأول والثاني الميلاديين. وتقول عالمة الآثار كريستينا مارابيا إن ذلك يدل على أن إرث الأوديسة في الجزيرة استمر "فترة طويلة جداً".
وتضيف أن عبادة أوديسيوس استمرت "نحو ألف عام بعد التاريخ المفترض لعودة الملك الأسطوري من طروادة إلى جزيرته، قرابة عام 1200 قبل الميلاد، ونحو 500 عام بعد تأليف الأوديسة، الذي يرجح أنه جرى بين عامي 750 و700 قبل الميلاد".
ويرى جويل كريستنسن أنه ليس من المستغرب أن يترك أوديسيوس وملحمة الأوديسة أثراً بهذه القوة.
ويقول: "نحن نعيش اليوم في ثقافة تشكلها وسائل مثل التلفزيون والراديو، لكن قبل ظهور هذه الوسائل، كانت الأساطير هي الخيوط التي تربط المجتمعات المختلفة بعضها ببعض".
ويضيف: "وبصفته بطلاً كثير الترحال، كان أوديسيوس واحداً من أنسب أبطال العالم القديم لأداء هذا الدور".
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :