خاص Icon News
في الوقت الذي تتسابق فيه الدول لبناء ناطحات السحاب وتطوير المدن الذكية واستكشاف الفضاء، يجري سباق آخر أقل صخباً وأكثر غموضاً في أعماق الأرض.
فمن الولايات المتحدة إلى أوروبا، ومن آسيا إلى الشرق الأوسط، تشهد صناعة الملاجئ والتحصينات نمواً غير مسبوق، في ظاهرة تعكس حجم القلق الذي يخيّم على العالم في مرحلة تتداخل فيها الحروب والأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية والتوترات الجيوسياسية.
ولم تعد الملاجئ مجرد منشآت عسكرية أو ذكريات من زمن الحرب الباردة، بل تحولت إلى صناعة عالمية بمليارات الدولارات، تستقطب الحكومات والأثرياء وحتى الطبقات المتوسطة في بعض الدول.
من الحرب الباردة إلى حرب الأعصاب
عندما انتهت الحرب الباردة مطلع التسعينيات، اعتقد كثيرون أن زمن الملاجئ النووية أصبح جزءاً من الماضي.
لكن السنوات الأخيرة حملت مفاجآت مختلفة.
الحرب الروسية الأوكرانية أعادت إلى الواجهة شبح المواجهة النووية، والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين فتح الباب أمام سيناريوهات كانت تبدو مستحيلة قبل سنوات قليلة. كما أن الصراعات المتكررة في الشرق الأوسط دفعت العديد من الدول إلى إعادة تقييم خطط الحماية المدنية والاستعداد للطوارئ.
في السويد وفنلندا وسويسرا على سبيل المثال، أُعيد تحديث خطط الإخلاء والملاجئ العامة، فيما بدأت حكومات أخرى مراجعة قدراتها على حماية السكان في حال وقوع أزمات كبرى.
الأثرياء يشترون المستقبل تحت الأرض
اللافت أن أكبر طفرة في هذا القطاع لا تأتي من الحكومات وحدها.
ففي الولايات المتحدة وأوروبا ونيوزيلندا، ازداد الطلب على الملاجئ الخاصة بشكل لافت، خصوصاً بين رجال الأعمال وأصحاب الثروات الكبرى.
ولم تعد هذه الملاجئ مجرد غرف إسمنتية ضيقة.
بعضها يضم:
مسابح داخلية.
صالات رياضية.
عيادات طبية.
أنظمة زراعة غذائية.
مخازن تكفي لسنوات.
أنظمة تنقية هواء ومياه مستقلة.
وفي بعض المشاريع الفاخرة، يجري تصميم مجتمعات كاملة تحت الأرض قادرة على استيعاب عشرات أو مئات الأشخاص لفترات طويلة.
الخوف من القنابل... أم من انهيار العالم؟
المثير للاهتمام أن كثيراً من الخبراء يؤكدون أن الخوف لم يعد يقتصر على الحرب النووية.
فالمخاوف الحديثة تشمل:
انهيار شبكات الكهرباء.
الهجمات السيبرانية.
الأوبئة العالمية.
الكوارث المناخية.
الاضطرابات الاجتماعية الواسعة.
بمعنى آخر، أصبح الملجأ بالنسبة للبعض بوليصة تأمين ضد المجهول، لا ضد الحرب فقط.
تجارة الخوف
ومع ازدياد الطلب، نشأت صناعة متكاملة حول مفهوم "البقاء".
شركات متخصصة تبيع أبواباً مقاومة للانفجارات، وأنظمة تنقية متطورة، ومخازن غذائية طويلة الأمد، وأجهزة إنتاج مياه مستقلة.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن سوق الملاجئ وأنظمة البقاء يشهد نمواً متواصلاً، مدفوعاً بمخاوف عالمية تتزايد عاماً بعد عام.
لكن منتقدين يرون أن جزءاً من هذه الصناعة يقوم على تسويق الخوف وتحويل القلق الجماعي إلى فرصة تجارية مربحة.
هل العالم على أبواب كارثة؟
لا توجد مؤشرات مؤكدة على اقتراب كارثة عالمية شاملة، لكن ما يحدث يكشف أمراً مهماً:
الثقة بالمستقبل لم تعد كما كانت.
فبعد عقود من الاعتقاد بأن التقدم العلمي والتكنولوجي سيجعل العالم أكثر أمناً، يبدو أن كثيرين باتوا مقتنعين بأن الاستعداد للأسوأ لم يعد فكرة متطرفة، بل خياراً عقلانياً في عالم يزداد اضطراباً.
قبل عقود، كان البشر يتنافسون على الوصول إلى أعلى نقطة في السماء.
أما اليوم، فإن بعضهم ينفق ملايين الدولارات للنزول أمتاراً إضافية تحت الأرض.
قد لا تكون الملاجئ مجرد مبانٍ إسمنتية محصنة، بل مرآة تعكس شعوراً عالمياً متنامياً بأن المستقبل لم يعد واضحاً كما كان، وأن العالم الذي بنى حضارته على الأمل... بدأ يستعد للخوف.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :