إيران متمسّكة باليورانيوم: لا “شيك على بياض”!
في ظلّ الإلحاح الإسرائيلي على إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وتصاعد الانتقادات داخل المعسكر «الجمهوري» في الولايات المتحدة لمسودة الاتفاق الأولي مع إيران – الموصوف بأنه «مكسبٌ لإيران وضررٌ لأميركا» -، والتي تصعّب على ترامب بناء «سردیة انتصار» حول الحرب؛ أفادت وسائل إعلام أميركية بأن ساكن البيت الأبيض يطالب الآن بـ«تعديل عددٍ من البنود وتشديد شروط» مسودة الاتفاق. وقد ينسف هذا التطور، في ظلّ مواقف طهران الصلبة، التقدّم الذي تحدّث الجانبان عنه مؤخراً في مسار التوصّل إلى تسوية، ويعيد بذلك إلقاء ظلال الشك والفشل على أجواء المفاوضات.
وبحسب ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» عن «مصادر مطّلعة»، فإن الرئيس الأميركي، بعد مراجعة مسوّدة التفاهم، طلب إدخال تعديلات عليها. ووفقاً لهذه المصادر، لا يزال من غير الواضح ما الذي ستشمله تلك التغييرات تحديداً، غير أن هدفها يتمثّل في «تشديد بعض البنود» المتّصلة تحديداً بالبرنامج النووي الإيراني ومخزونات اليورانيوم المخصّب لدى إيران. وبحسب مصادر أميركية تحدّثت إلى موقع «أكسيوس»، قد تؤدي التعديلات المقترحة أميركياً إلى تمديد المفاوضات لبضعة أيام إضافية، وتأخير القرار النهائي بشأن مذكرة التفاهم.
ويأتي ذلك في وقت كانت فيه تصريحات مسؤولين في الولايات المتحدة وإيران، وفي باكستان أيضاً – بوصفها الطرف الوسيط -، قد أوحت قبل نحو أسبوع بأن الطرفَين توصّلا إلى تفاهم أولي يقوم على نموذج مرحلي وتدريجي. وبموجب هذا النموذج، يُفترض أن يُعاد فتح مضيق هرمز خلال مهلة 60 يوماً، وأن يُرفع «الحصار البحري» المفروض على إيران، على أن تبدأ خلال المدة نفسها مفاوضات لمعالجة القضايا الخلافية بين الجانبين، ولا سيّما ما يتّصل بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأميركية. وبحسب التقارير، يتضمّن النص الحالي للتفاهم (قبل التعدیلات الأميركية) تعهّد إيران بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، فيما يُفترض أن تُبحث التفاصيل المرتبطة بالقيود النووية وآليات خفض العقوبات الأميركية خلال مهلة الـ60 يوماً التي تلي إقرار الاتفاق.
وخلال الأيام الأخيرة، وجّه كثيرون في الولايات المتحدة انتقادات إلى إدارة بلادهم، معتبرين أن هذا التفاهم يصبّ في مصلحة طهران على حساب واشنطن، إذ إنه يخفّف الضغوط عن الأولى، ويتيح الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمّدة، كما يُرجئ النزاع حول البرنامج النووي الإيراني إلى مفاوضات لاحقة. وبحسب التقارير، كانت أعربت إسرائيل أيضاً، على لسان رئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو، عن قلقها حيال توقيع اتفاق لا يحسم، منذ مرحلته الأولى، مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب.
وفي ظلّ هذه الضغوط والانتقادات، يبدو أن ترامب بات يطالب بإدخال تعديلات على مسودة التفاهم، ويريد أن يُحسَم – في نصّ المسودة نفسها وقبل الانتقال إلى أيّ مفاوضات لاحقة – ملف مخزون اليورانيوم المخصّب. ويتعلّق الأمر هنا بمخزون يضمّ أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، وهو ما يوفّر، في حال رفع نسبة التخصيب إلى 90%، المواد اللازمة لصنع نحو 10 قنابل نووية. ومع ذلك، تكرّر إيران أن برنامجها النووي ذو طابع سلمي، وأن زيادة نسب التخصيب خلال السنوات الأخيرة جاءت ردّاً على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وعودة العقوبات المفروضة عليها.
هكذا، يبدو أن مصير مخزون اليورانيوم تحوّل، في المرحلة الراهنة، إلى العقدة الأساسية في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. وكانت شدّدت واشنطن وتل أبيب مراراً على أن هذه المواد يجب أن تُنقل فوراً إلى خارج إيران، فيما ترفض طهران هذا الطرح، مؤكدةً أنها مستعدة لتخفيف نسبة تخصيب ذلك اليورانيوم ضمن مسارٍ مرحلي ومتوازن، وبما يتناسب مع خطوات الطرف المقابل. ويستند الموقف الإيراني إلى قناعة مفادها بأن ما عجزت الولايات المتحدة وإسرائيل عن انتزاعه في الحرب، لن تتمكّنا من انتزاعه على طاولة التفاوض. وعلیه، وفي ظل تمسّك الطرفين بموقفيهما، يبدو العثور على صيغة وسط أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً أن هذه المسألة اكتسبت، على ما يظهر، بُعداً سيادياً وأمنياً بالغ الحساسية لدى الطرفَين، إلى حدّ أن أي تراجع أو مرونة فيها قد يُفسَّر بوصفه «صورة هزيمة» لأيٍّ منهما.
ولم يَصدر، حتى الآن، أيّ موقف إيراني رسمي حيال التقارير التي تحدّثت عن تعديلات جديدة أدخلتها الولايات المتحدة على مسودة التفاهم. غير أن رئيس البرلمان الإيراني، ورئيس فريق التفاوض، محمد باقر قاليباف، أكد، أمس، «أننا لن نوافق على أيّ اتفاق ما لم نطمئن إلى أن حقوق الشعب الإيراني قد انتُزعت كاملة». وأضاف، في كلمته قبيل افتتاح السنة الثالثة من الدورة الحالية للبرلمان، أن «إيران لا تمنح أحداً شيكاً على بياض، لكنها في الوقت نفسه يجب ألّا تقع في فخّ الاستنزاف والصراعات الطويلة». وتابع أنه «لا ثقة إطلاقاً بكلام العدو ووعوده»، وأن «المعيار بالنسبة إلينا هو الإنجازات الملموسة التي ينبغي تحقيقها».
كذلك، نقلت وكالة «تسنيم» المقربة من «الحرس الثوري الإيراني» عن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قوله إن تبادل الرسائل مع واشنطن مستمرّ، مشدداً على أنه يستحيل إصدار أيّ حكم حتى التوصّل إلى نتيجة واضحة. وأوضح أن «كلّ ما يقال حالياً هو مجرّد تكهنات، ينبغي ألّا تُمنح أيّ أهمية». وكانت أفادت «تسنيم» بأن «الطرفين يُدخلان تعديلات متبادلة على النصّ بصورة متناوبة، ولم يُنجز حتى الآن أيّ تفاهم نهائي، كما أن احتمال سقوط أيّ تفاهم لا يزال قائماً». وأضافت أن «استمرار إغلاق مضيق هرمز، في الظروف الراهنة، يولّد ضغطاً اقتصادياً مهماً على الولايات المتحدة وحلفائها، وقد تحوّل إلى ورقة قوة في يد إيران».
من جهتها، كتبت صحيفة «خراسان» المقرّبة من السلطة أن من المستبعد أن تُفضي المفاوضات الإيرانية – الأميركية إلى نتيجة حاسمة، مرجّحة استمرار الحرب. واعتبرت الصحيفة أن «اتفاقاً أولياً ومؤقتاً يبقى احتمالاً قائماً، لكنه – حتى في حال حصوله – لن يكون ثمرة قناعة مشتركة، بل أقرب إلى إدارة التوتر من جانب الطرفين»، مستبعدة أن ينتهي هذا المسار إلى اتفاق شامل.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي