الجنوب يشتعل... ولبنان على خط الزلزال الإقليمي

الجنوب يشتعل... ولبنان على خط الزلزال الإقليمي

 

 

 

 

افتتاحية ايكون نيوز ليوم الاثنين 1 حزيران 2026

 

يعود لبنان إلى واجهة المشهد، لا كخبر عابر في شريط الأحداث، بل كجرح مفتوح على أكثر من احتمال. فالجنوب شهد تصعيداً واسعاً وخطيراً، مع غارات إسرائيلية مكثفة واشتباكات ميدانية واتساع دائرة الاستهداف، في وقت تتحدث فيه إسرائيل عن توغل أعمق داخل الأراضي اللبنانية، بعد إعلان السيطرة على موقع قلعة الشقيف الاستراتيجي.

هذا التصعيد لا يمكن قراءته كحدث منفصل. هو يأتي فوق هشاشة وقف النار، وفوق قلق الناس في القرى الجنوبية، وفوق واقع نزوح وضغط اجتماعي واقتصادي لم يعد يحتمل المزيد. من النبطية إلى صور، ومن القرى الحدودية إلى عمق الجنوب، يعيش اللبنانيون مجدداً تحت معادلة الخوف: غارات، إنذارات، طرق مقطوعة، مدارس معلّقة، وبيوت تنتظر أن تعرف إن كانت ستبقى بيوتاً أم تتحول إلى عنوان جديد في نشرات الأخبار.

الأخطر أن الجنوب لم يعد فقط ساحة مواجهة عسكرية، بل صار أيضاً اختباراً سياسياً للدولة اللبنانية: هل تستطيع حماية المدنيين؟ هل تستطيع فرض منطق وقف النار؟ وهل يستطيع لبنان، المنهك اقتصادياً ومؤسساتياً، أن يمنع تحوّل التصعيد إلى حرب مفتوحة جديدة؟

وفي هذا المشهد، يبرز تدخل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بوصفه محاولة لإمساك الخيط السياسي قبل أن يفلت الميدان بالكامل. فواشنطن، التي ترعى مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل، تحاول تحويل وقف النار من هدنة هشّة إلى إطار أمني وسياسي أوسع. لكن المشكلة أن هذا التدخل يأتي فيما الغارات مستمرة، والتوغل الإسرائيلي يتوسع، والجنوب يدفع الثمن اليومي. لذلك تبدو الوساطة الأميركية أمام امتحان حقيقي: هل هي قادرة على إلزام إسرائيل بوقف التصعيد والانسحاب، أم أنها ستبقى إدارة للأزمة لا حلاً لها؟

واللافت أن اتصال روبيو بالرئيس جوزاف عون، بالتزامن مع المحادثات العسكرية التي استضافتها واشنطن بين وفدين لبناني وإسرائيلي، يعكس انتقال الملف من مستوى التهدئة المؤقتة إلى مستوى الترتيبات الأمنية المقبلة. غير أن الموقف اللبناني، كما يجب أن يكون واضحاً، يبدأ من أولوية واحدة: وقف الاعتداءات، حماية المدنيين، تثبيت وقف النار، ثم البحث في أي ملفات أخرى. فلا يمكن مطالبة لبنان بالدخول في مسار سياسي واسع بينما جنوبه تحت النار، وأهله بين النزوح والخوف، وسيادته تُختبر كل يوم.

في المقابل، لم تقف إيران خارج المشهد، بل لوّحت بالدخول على خط المواجهة إلى جانب المقاومة إذا واصل العدو الإسرائيلي خرق وقف إطلاق النار واستهداف لبنان. وهذا التهديد لا يضيف تفصيلاً عابراً إلى الأزمة، بل يرفع سقفها إلى مستوى إقليمي مفتوح، حيث يصبح الجنوب اللبناني نقطة تماس بين أكثر من قوة وأكثر من حساب، من تل أبيب إلى طهران، ومن واشنطن إلى العواصم العربية القلقة.

عربياً، لا يبدو المشهد منفصلاً عن نار الجنوب اللبناني. فغزة ما زالت تعيش تحت ضغط الحرب والهدنة الهشّة، وسوريا تحاول تثبيت موقعها الجديد وسط إعادة ترتيب التوازنات، فيما تراقب العواصم العربية بقلق اتساع المواجهة بين إسرائيل ومحور إيران. المنطقة كلها تبدو وكأنها تقف على هدنة مؤقتة لا على سلام حقيقي: في لبنان وقف نار مهدد، في غزة تهدئة قابلة للانهيار، وفي الخليج قلق دائم من أي اهتزاز في مضيق هرمز أو أسواق الطاقة.

إقليمياً، تتداخل الجبهات أكثر من أي وقت مضى. ما يجري في جنوب لبنان لا يُقرأ فقط كاشتباك لبناني-إسرائيلي، بل كجزء من صراع أوسع بين إسرائيل وإيران، وبين واشنطن وطهران، وبين منطق الدولة ومنطق الساحات المفتوحة. لذلك فإن أي تصعيد في الجنوب ينعكس فوراً على غزة، وعلى سوريا، وعلى أمن الخليج، وعلى حسابات النفط والملاحة والطاقة. وهذا ما يجعل لبنان اليوم ليس مجرد ساحة محلية، بل نقطة تماس في خريطة إقليمية شديدة الاشتعال.

أما دولياً، فالعين على واشنطن. التدخل الأميركي في الملف اللبناني-الإسرائيلي، واستضافة الولايات المتحدة محادثات مباشرة وعسكرية بين الجانبين، يعكسان محاولة لضبط التصعيد قبل تحوله إلى حرب أوسع. لكن السؤال يبقى: هل تتحرك واشنطن كوسيط قادر على فرض وقف النار، أم كمدير للأزمة فقط؟ فالمجتمع الدولي، من الأمم المتحدة إلى العواصم الأوروبية، يدرك أن انفلات الجنوب اللبناني لن يبقى داخل الحدود، بل قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من النزوح، وضغط اقتصادي، وتهديد مباشر لأمن المنطقة وسلاسل الطاقة العالمية.

ودولياً أيضاً، لم تبقَ ارتدادات التصعيد محصورة في السياسة والدبلوماسية، بل وصلت سريعاً إلى الأسواق. فأسعار النفط والدولار وحركة البورصات العالمية باتت تتحرك تحت ضغط سؤال واحد: إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟ ومع عودة الحديث عن مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، يصبح أي تصعيد في لبنان أو غزة أو مع إيران عاملاً مباشراً في حسابات الاقتصاد العالمي. وهنا يتضح أن أزمات المنطقة لم تعد ملفات محلية أو إقليمية فقط، بل صارت جزءاً من أمن الطاقة والتجارة والاستقرار المالي الدولي.

الخلاصة أن المنطقة تقف أمام اختبار كبير: إما أن تتحول الهدن الهشّة إلى مسار سياسي واضح بضمانات فعلية، وإما أن تبقى مجرد فواصل قصيرة بين جولات جديدة من التصعيد. من غزة إلى الخليج، ومن طهران إلى واشنطن، تبدو المعادلة واحدة: لا استقرار بلا وقف حقيقي للنار، ولا تهدئة بلا انسحابات واضحة، ولا حلول قابلة للحياة إذا بقي المدنيون هم الحلقة الأضعف في كل مواجهة.

وبذلك يصبح السؤال الأهم اليوم ليس فقط كيف نمنع الحرب المقبلة، بل كيف نمنع تكرار المنطق الذي يصنعها كل مرة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي