عمليًا، ما تريده الحكومة اللبنانية من هذا المسار واضح نظريًا: تثبيت وقف النار، إعادة النازحين، انسحاب إسرائيلي كامل، وتكريس الجيش مرجعية أمنية وحيدة في الجنوب. هذه الأهداف مشروعة سياديًا، وهي تحديدًا ما يُضفي على المسار التفاوضي طابعًا وطنيًا جامعًا. لكن السؤال ليس في الأهداف، وإنما في الأدوات وموازين القوى التي تحدد من يحقق هذه الأهداف، ومتى، وبأي ثمن.
فالجيش اللبناني، الذي يُفترض أن يكون ركيزة أي تسوية، يعمل في مساحة شديدة الضيق. فهو مطالب بالانتشار والضبط الميداني جنوبًا، لكنه يفعل ذلك في ظل اعتداءات إسرائيلية متواصلة تضع كامل البيئة الجنوبية تحت ضغط أمني واجتماعي كبير. كما أن العقوبات الأميركية الأخيرة، بما شملته من شخصيات سياسية وأمنية، فتحت جرحًا مؤسسيًا يصعب تجاهله: كيف تستعيد الدولة مصداقيتها الأمنية داخليًا وخارجيًا إذا كان جزء من مؤسساتها الأمنية يتحول إلى موضع ضغط في اللحظة نفسها التي يُطلب فيها توسيع دور الجيش جنوبيًا؟
هذا التناقض يكشف عن إشكالية أعمق في طبيعة المسار برمته: الدولة اللبنانية مدعوة للاضطلاع بدور أمني موسع، لكنها تُدعى إلى ذلك تحت شروط خارجية تقيّد هامشها السياسي الداخلي. فالغطاء الذي يحتاجه الجيش لتوسيع دوره لا يأتي بقرار أميركي فحسب، وإنما بتفاهم وطني داخلي يضمن ألا تُقرأ أي خطوة أمنية بوصفها استجابة للضغط الخارجي، وإنما بوصفها قرارًا سياديًا. وهذا التفاهم الداخلي لا يزال مؤجلًا ومعلّقًا في فضاء الحسابات الطائفية والحزبية.
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي