خاص ICON NEWS
افتتاحية الجمعة 29 أيار/مايو 2026
هذا صباح لا يشبه الصباحات الهادئة. في الإقليم كله، من بيروت إلى غزة، ومن مضيق هرمز إلى واشنطن، تتقدم السياسة على حافة النار: مفاوضات تُفتح بينما الطائرات لا تصمت، هدن تُمدد بينما الوقائع على الأرض تقضمها، وأسواق عالمية تراقب الممرات البحرية كما لو كانت تقرأ نبض الاقتصاد الدولي.
محليًا
يقف لبنان اليوم أمام مفترق بالغ الحساسية. المسار الأمني اللبناني الإسرائيلي المقرر في البنتاغون، بعد تمديد الهدنة 45 يومًا وفتح قنوات اتصال عسكرية برعاية أميركية، ليس مجرد تفصيل دبلوماسي. إنه اختبار لفكرة الدولة نفسها: هل تستطيع بيروت أن تنتزع وقفًا فعليًا للاعتداءات، وعودة آمنة للنازحين، وجدولًا واضحًا للانسحاب، أم يبقى وقف النار عنوانًا سياسيًا لا يحمي القرى ولا يطمئن الناس؟
الضربات الإسرائيلية الأخيرة، ومنها استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت قبل جولة واشنطن، تعيد طرح السؤال اللبناني القديم بصيغة جديدة: كيف تفاوض الدولة وهي تحت الضغط؟ وكيف تحمي السيادة وهي مطالبة في الوقت نفسه بإثبات احتكارها للقرار والسلاح؟ هنا لا يكفي أن يكون لبنان حاضرًا على الطاولة؛ عليه أن يكون موحدًا في تعريف مصلحته. فالمعركة الكبرى اليوم ليست فقط على الحدود، بل على معنى أن تكون الدولة هي المرجع، لا الواجهة.
وفي هذا السياق، لا يملك لبنان ترف الذهاب إلى أي مسار تفاوضي بمواقف متفرقة أو بخطاب رمادي. المطلوب قبل الطاولة أن يوحّد الداخل اللبناني رؤيته، وأن يدخل التفاوض حاملًا أوراق قوة سياسية وميدانية، لا مجرد مطالب معلّقة في الهواء. فالمقاومة، بما تسجله في الميدان من مواجهة قاسية وقدرة على إيلام العدو وإلحاق خسائر مادية وبشرية به، كما تقر بذلك مصادره وإعلامه، تشكّل عامل ضغط لا يجوز تبديده، بل تحويله إلى رصيد وطني في خدمة وقف العدوان، حماية الأرض، وتثبيت شروط السيادة. ويبقى التحدي أن تُدار أوراق القوة بعقل الدولة، لا بمنطق الانقسام، حتى لا يذهب لبنان إلى التفاوض عاريًا مما يملك، ولا مثقلًا بما يفرّقه.
إقليميًا
في غزة، تبدو الهدنة معلقة بخيط شديد الرقة. إعلان بنيامين نتنياهو توجيه الجيش للسيطرة على 70% من القطاع يهدد بتحويل وقف إطلاق النار إلى ترتيب مؤقت لإعادة رسم الأرض بالقوة. والنتيجة الإنسانية لا تحتاج إلى كثير من التوقع: مزيد من النزوح، مزيد من الحصار، ومزيد من اليأس في مساحة أنهكتها الحرب بما يفوق قدرة اللغة على الوصف.
وفي الخليج، يعود مضيق هرمز إلى قلب المعادلة. الأخبار عن اتفاق أميركي إيراني مبدئي لتمديد وقف إطلاق النار 60 يومًا وفتح مفاوضات نووية جديدة تحمل بارقة سياسية، لكنها بارقة محاطة بالدخان: عقوبات أميركية إضافية، احتكاكات بحرية، وملف طاقة عالمي مربوط بممر لا يحتمل المغامرة. المنطقة كلها تبدو كأنها تدخل مرحلة “إدارة الانفجار” لا مرحلة السلام الكامل.
وسط ذلك، جاء موسم الحج هذا العام، بأكثر من 1.7 مليون حاج بحسب الإحصاءات السعودية الرسمية، ليذكّر بأن الإقليم ليس فقط خرائط صراع. هناك أيضًا شعوب تبحث عن السكينة، ومعنى، وعبور روحي وسط عالم تكثر فيه الحدود وتضيق فيه المساحات الآمنة.
دوليًا
على المستوى الدولي، لا تزال حرب أوكرانيا تمثل الجرح الأوروبي المفتوح. الضربات الروسية المتواصلة، وتحذيرات كييف من موجات قصف أكبر، تكشف أن الحرب دخلت زمن الاستنزاف الطويل: لا حسم سريعًا، ولا تسوية ناضجة، ولا قدرة أوروبية كاملة بعد على ملء فراغ التردد الأميركي.
أما الاقتصاد العالمي، فيراقب السياسة كما يراقب البورصات. أي تفاهم أميركي إيراني حول هرمز قد يريح الطاقة والأسواق، وأي انهيار جديد قد يعيد النفط والتأمين البحري وسلاسل الإمداد إلى دائرة القلق. في عالم اليوم، لم تعد الحرب محلية حتى حين تبدأ في قرية أو ميناء؛ إنها تصل إلى سعر الخبز، وكلفة النقل، وميزانية العائلة.
الخلاصة أن صباح اليوم يضعنا أمام سؤال واحد بأسماء كثيرة: هل تستطيع الدبلوماسية أن تسبق الميدان، أم أنها ستبقى تأتي بعده لتوثيق خسائره؟ لبنان يحتاج جوابًا سريعًا، غزة تحتاج نجاة لا بيانات، والمنطقة تحتاج أن تخرج من لعبة الهدن المؤقتة إلى منطق السياسة الدائمة. أما القارئ، فحقه أن يبدأ نهاره لا بالخوف، بل بفهم ما يجري؛ لأن الفهم هو أول أشكال المقاومة المدنية للضجيج.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :