بعيدا عن السياسة: ماذا يعني تقدّم المفاوضات الأميركية الإيرانية للناس؟

بعيدا عن السياسة: ماذا يعني تقدّم المفاوضات الأميركية الإيرانية للناس؟

 

 

 

 


كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ICONNEWS

في كل مرة تتقدم فيها المفاوضات الأميركية الإيرانية أو تتعثر، ينشغل السياسيون بسؤال واحد: من ربح ومن خسر؟
لكن القارئ العادي لديه أسئلة مختلفة تماما: ماذا يعني ذلك لسعر البنزين؟ هل يهدأ الجنوب؟ هل يتحسن موسم الصيف؟ هل ينخفض القلق على الدولار والأسعار؟ وهل يمكن أن ينام الناس ليلة واحدة من دون خبر عاجل جديد؟

هذه هي الزاوية الأهم اليوم. فالمفاوضات، مهما بدت بعيدة ومعقدة، لا تبقى حبيسة غرف التفاوض. أثرها يصل إلى البيوت، إلى الطرقات، إلى محطات الوقود، إلى المطار، وإلى جيوب الناس.

أول ما يهم المواطن هو النفط. فالتوتر حول إيران ومضيق هرمز لا يعني فقط بوارج وبيانات عسكرية، بل يعني أيضا أسعار محروقات. كلما ارتفع خطر التصعيد في الخليج، ارتفع القلق في أسواق النفط. وكلما اقتربت التهدئة، تراجعت المخاوف نسبيا. وفي بلد مثل لبنان، حيث البنزين والمازوت يدخلان في كلفة النقل والكهرباء والخبز والسلع، فإن أي استقرار في أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على حياة الناس، ولو بدرجات محدودة.

ثانيا، هناك عامل الخوف. اللبناني لا يعيش الأزمة الاقتصادية وحدها، بل يعيش فوقها قلقا أمنيا دائما. أي تفاهم إقليمي يمكن أن يخفف هذا القلق، خصوصا إذا انعكس هدوءا في الجنوب. فالهدوء لا يعني فقط توقف القصف أو البيانات العسكرية، بل يعني عودة عائلة إلى منزلها، ومزارع إلى أرضه، وتاجر إلى دكانه، وطفل إلى مدرسته. أحيانا يكون أكبر إنجاز سياسي بالنسبة للناس هو أن تستعيد الحياة إيقاعها الطبيعي.

ثالثا، هناك موسم الصيف. لبنان لا يملك ترف خسارة موسم جديد. المغترب الذي يفكر في زيارة أهله، والسائح الذي يراقب الأخبار، وصاحب المطعم أو الفندق أو سيارة الأجرة، كلهم يتأثرون بصورة البلد. فإذا شعر الناس أن المنطقة ذاهبة إلى تهدئة، تتحسن الحركة. وإذا شعروا أن الحرب قد تعود في أي لحظة، تتراجع الحجوزات والزيارات والإنفاق. لذلك، المفاوضات ليست خبرا خارجيا فقط؛ هي خبر اقتصادي داخلي بامتياز.

رابعا، هناك الدولار والأسعار. صحيح أن أي اتفاق أميركي إيراني لا يحل الأزمة اللبنانية وحده، ولا يعيد أموال المودعين، ولا يصلح الكهرباء، ولا يبني دولة. لكنه قد يخفف جزءا من الضغط النفسي على السوق. فالأسواق لا تتحرك بالأرقام فقط، بل بالمزاج والخوف والتوقعات. عندما تهدأ المنطقة، يتراجع منسوب الهلع. وعندما يتراجع الهلع، يصبح من الأسهل على الناس والتجار والمغتربين اتخاذ قراراتهم بهدوء أكبر.

لكن من الضروري ألا نبيع الناس وهما جديدا. الاتفاق، إن حصل، ليس عصا سحرية. لن يخفض الأسعار وحده، ولن يحل أزمة المصارف، ولن يوقف الفساد، ولن يملأ خزينة الدولة. هو فقط يفتح نافذة. أما الدخول منها، فهذا يحتاج إلى قرار داخلي: إدارة أفضل، رقابة حقيقية، إنفاق مسؤول، وخطة اقتصادية تحترم الناس لا أرقام البيانات الرسمية فقط.

الأهم أن ننظر إلى المفاوضات من زاوية المواطن لا من زاوية الشعارات. المواطن لا يريد أن يعرف فقط من انتصر على طاولة التفاوض. يريد أن يعرف هل يستطيع أن يشتري حاجاته بكلفة أقل، هل يطمئن على أولاده، هل تعود الحركة إلى منطقته، هل يجرؤ المغترب على زيارة لبنان، وهل يشعر أن الغد أقل رعبا من الأمس.

لهذا، فإن قيمة أي تفاهم إقليمي لا تقاس فقط بما يقال في العواصم، بل بما يتغير في حياة الناس. إذا خف التوتر، وهدأ الجنوب، وتحرك الموسم، واستقر سعر المحروقات، فسيشعر المواطن أن شيئا ما تبدل فعلا. أما إذا بقيت الطبقة السياسية تتعامل مع كل فرصة كغنيمة جديدة، فحتى أكبر اتفاق في العالم لن يمنع اللبناني من طرح سؤاله القديم: وماذا عن حياتنا نحن؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي