كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في مثل هذا اليوم، لم يكن الجنوب اللبناني يحتفل فقط بانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، بل كان لبنان بأكمله يدخل مرحلة تاريخية جديدة غيّرت وجه المنطقة وأسقطت واحدة من أكثر النظريات العسكرية والسياسية رسوخًا في الشرق الأوسط.
خمسة وعشرون أيار لم يكن تاريخًا عاديًا في الذاكرة اللبنانية، بل لحظة تحوّل كبرى أنهت احتلالًا دام أكثر من عقدين، بعدما اضطرّت إسرائيل إلى الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية تحت وقع العمليات العسكرية والاستنزاف المستمر، في مشهدٍ وصفه كثيرون آنذاك بأنه أول انسحاب إسرائيلي من أرض عربية “من دون اتفاق أو تفاوض”.
من القرى الحدودية التي عاشت سنوات النار والتهجير، إلى بيروت التي تابعت مشاهد التحرير بذهول وفرح، بدا لبنان يومها وكأنه يستعيد جزءًا من روحه المفقودة.
الناس نزلوا إلى الطرقات، الأعلام ارتفعت فوق المواقع المحرّرة، والأهالي عادوا إلى قراهم التي حاصرها الخوف طويلًا، فيما كانت صور العملاء الفارّين نحو فلسطين المحتلة تختصر انهيار مشروعٍ كامل راهنت عليه إسرائيل لسنوات.
لكن أهمية التحرير لم تكن عسكرية فقط.
فالحدث يومها قلب المعادلات السياسية والنفسية في المنطقة، وأسّس لمرحلة جديدة عنوانها أن إسرائيل ليست قوة لا تُهزم، وأن موازين الردع يمكن أن تتغيّر مهما بدا الواقع مختلًا.
ومنذ ذلك التاريخ، تحوّل 25 أيار إلى محطة وطنية تختلط فيها السياسة بالوجدان الشعبي، والذاكرة الجماعية بصورة الجنوب المقاوم الذي دفع أثمانًا هائلة من الدم والدمار والصمود.
اليوم، وبعد مرور سنوات طويلة على التحرير، يعود هذا التاريخ في لحظة إقليمية شديدة التعقيد:
حرب مفتوحة في غزة
توتر على الحدود الجنوبية
حديث عن تسويات كبرى في المنطقة
ومحاولات لإعادة رسم الشرق الأوسط من جديد
ورغم كل الانقسامات السياسية اللبنانية، يبقى التحرير حدثًا مفصليًا لا يمكن شطبه من ذاكرة المنطقة، لأنه لم يكن مجرد انسحاب عسكري… بل لحظة كسرت الخوف وبدّلت قواعد الصراع.
وفي زمن التحولات الكبرى، يعود السؤال نفسه ليتردد: هل ما حدث عام 2000 كان نهاية مرحلة فقط… أم بداية شرق أوسط جديد لم تكتمل ملامحه حتى اليوم؟
وفي ختام مشهد التحرير، يعود سؤالٌ ثقيل ليُطرح من جديد في لبنان والمنطقة: هل يعيد التاريخ نفسه اليوم؟
فكما سقط مشروع الاحتلال عام 2000، وسقط معه كل من راهن على بقاء إسرائيل في الجنوب، تعود الذاكرة اللبنانية لتستحضر مشاهد العملاء الذين اضطروا إلى الفرار ليلًا مع الجيش الإسرائيلي نحو فلسطين المحتلة، بعدما اكتشفوا أن الرهان على العدو لا يصنع وطنًا ولا يحمي مستقبلًا.
تلك الصور التي حفرت نفسها في الوعي اللبناني لم تكن مجرد نهاية مرحلة أمنية، بل درسًا سياسيًا وتاريخيًا قاسيًا لكل من وضع نفسه في مواجهة شعبه وارتهن لمشاريع الخارج.
واليوم، وسط التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة، والتغييرات المتسارعة في خرائط النفوذ والتحالفات، يتكرر السؤال نفسه بصوت أعلى: من يقرأ التاريخ جيدًا… ومن يكرر أخطاءه؟
ففي الشرق الأوسط، قد تتبدل الأسماء والوجوه والظروف، لكن شيئًا واحدًا يبدو ثابتًا: كل من يربط مصيره بالاحتلال أو يراهن على قوة الخارج في مواجهة شعبه، ينتهي يومًا وحيدًا أمام لحظة السقوط الكبرى.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :