بلال صالح العريضي*
لم يعد السؤال في لبنان اليوم مقتصراً على “متى تنتهي الحرب؟” أو هل سنصل الى “اتفاق”؟ “هدنة”؟ أو “سلام”؟ بل أصبح السؤال الأكثر رعباً وهدوءاً في آن واحد: “كيف سنعيش مع بعضنا البعض غداً؟” نحن لا نتحدث هنا عن خلاف سياسي عابر، فلبنان يمرّ اليوم بواحدة من أخطر مراحل وجوده التاريخي، ليس بسبب االحرب أو الانهيار الاقتصادي فحسب، بل لأنّ الشرخ والانقسام ضرَب هذه المرة العصب الأعمق في بنية المجتمع والعيش المشترك، مهما حاول المعنيون من مسؤولين وقادة تعمّد تجاهله. فنحن لا نواجه مجرد انقسام سياسي عابر، بل نشهد إعادة رسم لهوية الوطن الواحد، في ظلّ حرب وجودية وحقن طائفي وتحريض وكره غير مسبوق تجاوز حدود أروقة السياسة ليغزو البيوت والنفوس وخصوصاً جيل الشباب.
من الاختلاف السياسي
إلى حرب القناعات
تاريخياً، اعتاد اللبنانيون اللعبة السياسية والاصطفافات التي تخلفها، فحين يختلف الزعماء ينعكس الأمر على القاعدة الشعبية والحزبية، ثم يتصالحون، باتفاق تراضي أو توزيع حصص، وإذا اضطر الأمر في طائفٍ أو دوحةٍ ما أو لقاء قمة، فيعود العيش المشترك عنوان المرحلة ويتناسى اللبنانيون الخلاف.
أما اليوم، فالمشهد مختلف جذرياً. نحن أمام انقسام أفقي وعمودي وفي كلّ الاتجاهات حول خيارات مصيرية تمسّ جوهر وجود وطننا. لم يعد الخلاف على حصة في وزارة، شبكة اتصالات أو ولاءات، بل أصبح على مستقبل لبنان واللبنانيين. لقد أمعن اللبناني في الذهاب بعيداً في التطرف ومهاجمة أخيه اللبناني وصل الى حدّ دعوة فريق الى الرحيل والاستهانة بالدماء والأرواح البريئة، الكراهية انتشرت و”الترند” من يتطرف أكثر والمنافسة من يذهب أبعد في الحقد والكره والحقن والتحريض، حتى الرموز الدينية لم تسلم من هذه الحملة. نفوس مريضة تنشر الكره والبغض، ومسؤولون كسروا المحظورات في أساليب التخاطب، التحق بهم شباب وصبايا “هم بناة لبنان الغد”…
فهل يسأل اللبناني نفسه الى أين؟! ماذا بعد؟! كيف ممكن التعايش مع بعض في المستقبل؟! هذه الأسئلة الكبيرة موجهة اليوم لكلّ من يمعن في التطرف، مسؤولاً كان أم مواطناً…
عودة الشياح
وعين الرمانة… الافتراضية
لقد نجحت التصريحات الإعلامية الممنهجة ووسائل التواصل الاجتماعي في بناء خطوط تماس ومتاريس نفسية وأخلاقية أشدّ قسوة من السواتر الترابية التي عرفتها بيروت عام 1975. اليوم، يسأل اللبناني نفسه بمرارة، كيف سيجلس في مقهى أو مكتب مع من رأى في موته أو تهجيره أو احتلال أرضه وتهديم بيته مجرد تفصيل سياسي؟ كيف سيعود الطالب من الجنوب ليجلس على مقعد دراسي واحد مع زميل له كان يهلّل لدمار قريته؟ كيف يتقبّل من يدعو لرحيله؟ من يهين رموزه؟
إنّ خطورة الحقن الطائفي الحالي أنه لم يعد أداة بيد الزعيم لشدّ العصب، بل تحوّل إلى قناعة شبه شعبية. فعندما تتبنّى القاعدة الجماهيرية خطاباً إقصائياً، يجد الزعيم نفسه مضطراً لمجاراته للبقاء في السلطة. نلاحظ اليوم فرزاً ديموغرافياً صامتاً في السكن والعمل. مناطق تُغلق على نفسها خوفاً من الآخر، وحملات تحريضية من أبناء الوطن الواحد، هذا النفس الانفصالي التقسيمي الداخلي لم يعد مجرد طروحات فيدرالية أكاديمية، بل تحوّل إلى ممارسة يومية تهدّد وحدة النسيج الاجتماعي.
نحن أمام مشهد سوريالي، ففي وقت تُباد فيه عائلات تحت أنقاض المباني في الجنوب والضاحية والبقاع، ويُشيّع فيه اللبنانيون أطفالاً ونساءً، يخرج من المقلب الآخر خطاب حقد وكراهية بغيض يطالب بـسلام مع الكيان الذي يضغط على الزناد، بل ويذهب البعض لتبرئة المعتدي وتحميل الضحية مسؤولية دمه. هذا ليس “اختلافاً في الرأي”، بل هو شرخ في تعريف “العدو” و”الصديق”، وفي مفهوم “الكرامة الوطنية.
التعايش… قدر لا خيار
لبنان لا يملك خياراً سوى التعايش. التعايش ليس ترفاً أو رفاهية نستغني عنها في المناسبات، بل هو قدر جغرافي، تاريخي، وسياسي. فالتاريخ مليء بالشواهد على أنّ الفكر الإلغائي دائماً مصيره الفشل، لكن المفارقة أنّ اللبنانيين لا يصلون إلى هذه القناعة إلا بعد دفع أثمان باهظة من دماء أرواح، فلماذا نكتفي باستذكار التاريخ دون اتعاظ وأخذ العبر؟ إنّ من يزرع بذور الفتنة والحقد اليوم، سواء كان مسؤولاً محرّضاً أو إعلامياً يفتقد للمهنية أو مؤثراً يقتات على العنصرية، عليه أن يسأل نفسه، “أيّ مجدٍ يرتجيه من الوقوف على أطلال وطنٍ ساهم هو في هدمه؟” و”أيّ لبنان سينتجه الحقد والكراهية؟”
لبنان محكوم بجغرافيته الصغيرة، وتداخل عائلاته، وقراه، وطوائفه. إنّ من ينادي بتغيير وجه لبنان التاريخي القائم على التعددية، ومن ينادي بطروحات كيدية إقصائية لا يأخذ بعين الاعتبار ألم أخيه اللبناني ولا تضحيات دماء الشهداء، يدفع بالبلاد نحو حائط مسدود.
ترميم الهوية ليبقى لبنان
إنّ السبيل الوحيد لاستعادة العيش المشترك يتجاوز التسويات التقليدية، ليبدأ من ضرورة ترميم الهوية الإنسانية والوطنية، حيث لا يمكن بناء وطن حقيقي ما لم يشعر اللبناني في بيروت أو الجبل أو الشمال بعمق الألم الذي يعتصر أخاه في الجنوب والبقاع والضاحية وبقيمة كلّ حبة تراب على مساحة الـ 10425 كم2، إيماناً بأنّ الوجع والأرض لا طائفة لهما، وأنّ الدم اللبناني يجب أن يظلّ محرّماً في الوجدان قبل القانون. وهذا يتطلّب بالتوازي كبح جماح الآلة الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي لوقف لغة الكراهية والحقد والتحريض، والذهاب نحو حوار جاد حول لبنان الغد يهدف للاتفاق على الحدّ الأدنى من الثوابت الوطنية التي تحمي الكيان من الخارج ولا تفتته من الداخل، فالتعايش هو قرار سيادي يومي بالتنازل عن الـ أنا الطائفية والتبعية الخارجية لصالح النحن الوطنية، إذ إنّ المتطرف الذي لا يسأل نفسه “كيف سأعيش مع أخي غداً؟” إنما يحكم على نفسه وعلى لبنان بالزوال، لأنّ الأوطان لا تُبنى بالكراهية والإلغاء والتحريض، بل بالمحبة والتآخي…
*كاتب صحافي وناشط سياسي
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :