يشهد الاقتصاد اللبناني مرحلة جديدة من الضغوط المتصاعدة في ظل استمرار تداعيات الحرب على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتي، وسط مؤشرات متزايدة على دخول البلاد في مسار انكماش اقتصادي أعمق ينعكس على الحركة الاقتصادية العامة، وعلى بيئة الاستثمار، وعلى مستوى النشاط التجاري والاستهلاكي في الداخل. وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه التقديرات حول حجم الأضرار وكلفة التعافي، ما يعكس اتساع دائرة التأثيرات التي لم تعد محصورة بجغرافيا محددة أو قطاع واحد.
وفي هذا السياق، حذّر وزير المالية ياسين جابر في حديثه لوكالة “رويترز” من انكماش متوقع في الاقتصاد اللبناني يتراوح بين 7 و10% خلال العام الحالي، نتيجة استمرار الحرب وتداعياتها المباشرة وغير المباشرة على الاقتصاد الوطني. وأشار جابر إلى أن كلفة الأضرار الناتجة عن الحرب تُقدّر بنحو 20 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي يتعرض له الاقتصاد في مرحلة دقيقة من تاريخه.
هذا التقدير لا يأتي بمعزل عن السياق العام، إذ يدخل الاقتصاد اللبناني هذا التراجع من موقع هشّ أساساً، بعد سنوات من الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، والذي أدى إلى تقلص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقارب 40% وفق تقديرات البنك الدولي. هذا التراجع الحاد في السنوات السابقة جعل الاقتصاد أكثر عرضة لأي صدمة إضافية، بحيث تبدو نسبة الانكماش الجديدة امتداداً لمسار طويل من التآكل وليس حدثاً منفصلاً عنه.
وتنعكس تداعيات الحرب بشكل مباشر على البنية الاقتصادية من خلال مجموعة من العوامل المتشابكة. ففي مستوى أول، يتراجع الاستثمار المحلي والخارجي نتيجة غياب الاستقرار وتزايد المخاطر، وهو ما ينعكس على قرارات الشركات والمستثمرين سواء لجهة التوسع أو الدخول إلى السوق اللبنانية. وفي مستوى ثانٍ، يشهد النشاط الإنتاجي تباطؤاً ملحوظاً، خصوصاً في قطاعات الصناعة والزراعة، حيث تتأثر سلاسل التوريد وكلفة الإنتاج، فضلاً عن صعوبات التشغيل والتنقل.
أما قطاع السياحة، الذي يُعد تاريخياً أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي في لبنان، فيواجه بدوره ضغوطاً كبيرة نتيجة تراجع الحركة الوافدة وتراجع الثقة بالاستقرار العام، ما ينعكس مباشرة على الفنادق والمطاعم والخدمات المرتبطة بهذا القطاع. كما ترتفع كلفة النقل والتأمين والخدمات اللوجستية بشكل ملحوظ، وهو ما يؤدي إلى زيادة الأعباء التشغيلية على المؤسسات الاقتصادية، ويضغط على الأسعار في السوق المحلية.
وفي موازاة ذلك، تأتي تقديرات الخسائر الإجمالية التي تُقارب 20 مليار دولار لتسلّط الضوء على حجم الضرر المتراكم. وهذه الخسائر لا تقتصر على البنية التحتية أو الأضرار المباشرة في الممتلكات والمنشآت، بل تمتد إلى خسائر غير مباشرة أكثر عمقاً، تتعلق بتوقف النشاط الاقتصادي في مناطق متعددة، وتعطل الدورة الإنتاجية، وفقدان فرص العمل، وانخفاض القدرة على توليد الدخل. وهو ما يجعل من ملف إعادة الإعمار تحدياً مركباً يتجاوز الجانب الهندسي أو العمراني، ليصبح مرتبطاً بإعادة تشغيل الاقتصاد نفسه.
وبحسب خبراء اقتصاديين، فإن أحد أخطر تداعيات المرحلة الحالية لا يكمن فقط في حجم الأضرار المادية، بل في تآكل الثقة بالاقتصاد اللبناني. فالمستثمرون يتعاملون مع السوق اللبنانية اليوم ضمن حسابات عالية المخاطر، ما يؤدي إلى تراجع تدفق الاستثمارات الجديدة. كما أن المغتربين، الذين يشكلون ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد عبر التحويلات المالية، قد يعيدون النظر في مستويات الدعم أو يفضلون الاحتفاظ بسيولة أقل مخاطرة. أما على المستوى المحلي، فينعكس ذلك في تراجع الاستهلاك وتنامي حالة الترقب، ما يضعف الدورة الاقتصادية بشكل إضافي.
كما يشير اقتصاديون إلى أن استمرار حالة عدم الاستقرار يعزز توسع الاقتصاد غير النظامي، حيث تتراجع قدرة الدولة على ضبط النشاط الاقتصادي وتحصيل الإيرادات، في مقابل تنامي أنشطة غير منظمة تصبح جزءاً متزايداً من الواقع الاقتصادي اليومي. هذا التحول يزيد من تعقيد الأزمة، لأنه يضعف فعالية السياسات المالية والنقدية ويقلّص قدرة الدولة على التدخل.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو الاقتصاد اللبناني أمام مرحلة دقيقة تتقاطع فيها تداعيات الحرب مع أزمة مالية ممتدة منذ سنوات، ما يخلق حالة من الانكماش المركب الذي يصعب احتواؤه في المدى القصير. فالتحدي اليوم لا يقتصر على وقف التدهور، بل يمتد إلى كيفية إعادة بناء الثقة، وإعادة تحريك العجلة الاقتصادية في بيئة تفتقر إلى الاستقرار السياسي والمالي.
وبين الأرقام التي تتحدث عن انكماش يتراوح بين 7 و10%، وخسائر تُقدّر بعشرات المليارات، يظهر أن الاقتصاد اللبناني لا يواجه مجرد تباطؤ مرحلي، بل مساراً تراجعياً يتطلب رؤية طويلة الأمد لإعادة التوازن. فالتعافي في هذه الحالة لا يرتبط فقط بإنهاء الحرب، بل بإعادة صياغة شروط الاقتصاد نفسه، من الاستثمار إلى الإنتاج، ومن الثقة إلى الاستقرار.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :