كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في ذروة الحروب التي تضرب المنطقة، وبينما يسقط الضحايا يوميًا تحت نار الصراعات المفتوحة من غزة إلى جنوب لبنان، اختارت الدبلوماسية اللبنانية أن تخوض معركة مختلفة: معركة توصيف أدباء المهجر، بعدما أثارت لوحة تذكارية في نيويورك جدلًا حول توصيف جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وإيليا أبو ماضي كـ”أدباء سوريين”.
قد يبدو الأمر للبعض تفصيلًا ثقافيًا عابرًا، لكنه في عمقه يكشف أزمة هوية مستمرة يعيشها هذا الشرق منذ أكثر من قرن، أي منذ اللحظة التي أعادت فيها اتفاقية اتفاقية سايكس بيكو رسم الخرائط وحدود الدول والكيانات السياسية.
المفارقة أنّ الأدباء الذين تدور حولهم المعركة اليوم، هم أنفسهم من أكثر من كتبوا عن وحدة هذا المشرق الثقافية والروحية والإنسانية. فجبران لم يكن أسير حدود جغرافية ضيقة، بل قدّم نفسه ابنًا لشرقٍ حضاري واسع، فيما حملت كتابات نعيمة والريحاني وأبي ماضي رؤية تتجاوز الانقسامات السياسية الطارئة إلى فضاء ثقافي وإنساني أرحب.
المشكلة هنا ليست في الدفاع عن لبنان، فلبنان لا يحتاج إلى اختراع تاريخه ولا إلى محو تاريخه المشرقي كي يثبت هويته. بل تكمن المشكلة في تحويل الثقافة إلى ساحة اشتباك سياسي، تُستخدم فيها الأسماء الكبرى لإثبات سرديات معاصرة لا تشبه الزمن الذي عاش فيه هؤلاء الأدباء ولا البيئة الفكرية التي انطلقوا منها.
فالحديث عن “الأدباء السوريين” في الأدبيات الغربية القديمة لم يكن بالضرورة توصيفًا سياسيًا لدولة حديثة بحدودها الحالية، بل كان انعكاسًا لفهم تاريخي وجغرافي أوسع لمنطقة بلاد الشام، وهو توصيف كان متداولًا حتى بين أبناء تلك المرحلة أنفسهم، قبل أن تتحول الحدود الحديثة إلى جدران نفسية وثقافية.
الأخطر أنّ هذا النوع من السجالات يأتي في لحظة تبدو فيها المنطقة كلها أمام إعادة رسم خرائط النفوذ والهوية والانتماءات. من هنا، لا يعود النقاش مجرد خلاف على لوحة تذكارية في حديقة أميركية، بل يصبح جزءًا من صراع أعمق حول معنى الهوية في المشرق: هل هي هوية ثقافية حضارية متشابكة، أم هويات سياسية مغلقة نشأت تحت ضغط التقسيمات الدولية؟
ربما كان الأجدى اليوم أن تُستعاد تجربة أدباء المهجر بوصفها نموذجًا للانفتاح الفكري والإنساني، لا أن تتحول إلى مادة نزاع سياسي جديد. فهؤلاء لم يدخلوا التاريخ لأنهم دافعوا عن حدود، بل لأنهم كتبوا للإنسان، وعبّروا عن روح شرقٍ كامل كان أكبر من خرائطه، وأعمق من انقساماته، وأبقى من كل السوفي.
الخلاصة، يبدو مؤسفًا أن ينزلق وزير الخارجية يوسف رجّي إلى معارك رمزية وهامشية في لحظةٍ مصيرية يعيشها لبنان والمنطقة، وكأنّ الخطر الحقيقي يكمن في توصيف أدباء المهجر لا في الدماء التي تسقط يوميًا، ولا في السيادة التي تُستباح، ولا في الخرائط التي يُعاد رسمها فوق أنقاض الدول والشعوب.
فالتاريخ لا يرحم أولئك الذين يضيّعون البوصلة الوطنية في لحظات التحوّل الكبرى، ولا يذكر من السياسيين من خاضوا معارك صغيرة فيما كانت أوطانهم تواجه العواصف الوجودية. أما جبران ونعيمة والريحاني وأبو ماضي، فقد تجاوزوا منذ زمن حدود الجغرافيا الضيقة، وبقوا في ذاكرة الشعوب رموزًا لفكرٍ مشرقي وإنساني عابر للحدود، فيما ستبقى السياسة اليومية، بكل ضجيجها وانفعالاتها، مجرد هامش عابر في كتاب التاريخ الطويل.ياسات العابرة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :