د. ياسين العلي*
منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي وحتى خمسينياته، أدرك رجل الدولة السوري خالد العظم أن السيادة السياسية لا يمكن أن تستمر دون قاعدة اقتصادية وإنتاجية وطنية قادرة على التحكم بالمفاصل الرئيسية للسوق وحركة رأس المال داخل البلاد. ولهذا السبب تحرك مبكراً لتفكيك الامتيازات الأجنبية، وشجّع الشركات الدولية على العمل عبر رجال أعمال سوريين، بهدف بناء طبقة رأسمالية وطنية تحتفظ بالأرباح والخبرات والنفوذ الاقتصادي داخل سورية، بدلاً من بقائها رهينة لاعتمادٍ هيكلي على الفاعلين الخارجيين.
واليوم، تعود القضية ذاتها للظهور ضمن سياق أكثر حساسية وتعقيداً. فمرحلة إعادة الإعمار والانفتاح التدريجي على الأسواق العالمية ستُنتج فضاءً واسعاً للوكالات التجارية، ولا سيما في قطاعات السيارات والآليات والطاقة والمعدات الثقيلة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. وتشير التقديرات الدولية إلى أن الإنفاق المرتبط بإعادة الإعمار قد يصل إلى مئات مليارات الدولارات خلال السنوات المقبلة، ما يعني أن أجزاءً واسعة من الدورة الاقتصادية والإنتاجية السورية المستقبلية ستُعاد صياغتها عبر شبكات الوكالات وسلاسل التوريد والبنى الخدمية المرتبطة بها.
ومن هنا، لا يعود السؤال الحقيقي متعلقاً بمن سيبيع هذه المنتجات فحسب، بل بمن سيتحكم بالبوابات الاستراتيجية للتوزيع، ومن سيحتفظ بالقيمة المضافة داخل الاقتصاد السوري، ومن سيُراكم الخبرة والنفوذ السوقي والقدرة الاقتصادية طويلة الأمد المرتبطة بهذه القطاعات.
فالوكالات التجارية ليست مجرد نشاطات استيراد كما يُصوَّر لها غالباً، بل تشكل جزءاً من البنية العميقة للأسواق الوطنية نفسها. فمَن يسيطر على الوكالة يسيطر أيضاً على شبكات الصيانة وقطع التبديل وقنوات التمويل وسلاسل التوريد وبيانات السوق وخدمات ما بعد البيع، الأمر الذي يمنحه تأثيراً مباشراً في ديناميكيات الأسعار وأنماط الطلب واتجاهات السوق، بل وحتى في البنية المستقبلية للقدرة الإنتاجية المحلية.
إن ترك هذه البوابات الاقتصادية الاستراتيجية في يد شبكات خارجية يعني عملياً نقل جزء مهم من القيمة والثروة الوطنية إلى الخارج، وتحويل السوق المحلية إلى مساحة استهلاك أكثر منها فضاءً لتكوين رأس المال الإنتاجي والتراكم الاقتصادي طويل الأمد.
وتزداد حساسية هذه المسألة في قطاعات مثل السيارات والمعدات الثقيلة والآلات الصناعية، حيث ترتبط بنية الوكالات التجارية بتدفقات مستمرة وكبيرة من النقد الأجنبي إلى الخارج. وفي عدد من الدول، بما في ذلك بعض الاقتصادات الخليجية والدول الصناعية الآسيوية، تميل التشريعات الناظمة للتمثيل التجاري الاستراتيجي إلى تفضيل الملكية الوطنية الكاملة أو الغالبة، ولا سيما في القطاعات المرتبطة بالاستيراد الكثيف والانكشاف المرتفع على العملات الأجنبية. ولا تُصاغ هذه السياسات باعتبارها إجراءات تجارية ضيقة، بل بوصفها جزءاً من سياسات اقتصادية كلية تهدف إلى حماية احتياطيات النقد الأجنبي، والحد من تسرّب رأس المال، والحفاظ على السيطرة الوطنية على القطاعات الحساسة استراتيجياً.
وتُظهر التجارب الدولية بوضوح هذه الحقيقة. ففي المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وكوريا الجنوبية، واليابان، لم تكن الوكالات التجارية مجرد نشاطات تجارية عابرة، بل تحولت إلى بوابات لتشكيل تكتلات وطنية كبرى امتدت إلى قطاعات التمويل والصناعة والخدمات اللوجستية والخدمات الاستراتيجية. وفي كثير من الحالات، تطورت منظومات توزيع السيارات إلى منصات صناعية ومالية أوسع، أسهمت في خلق فرص عمل طويلة الأمد، وبناء بنى تحتية للصيانة والنقل والتمويل الاستهلاكي، وصولاً إلى التوطين الصناعي نفسه عبر خطوط التجميع والصناعات المغذية وشراكات نقل التكنولوجيا.
غير أن القضية لا تتعلق بالملكية وحدها. فالسوق الوطنية سيئة الحوكمة قد تعيد إنتاج الهشاشة ذاتها التي تسعى هذه السياسات إلى معالجتها. كما أن غياب قوانين المنافسة الصارمة والرقابة المؤسسية ومعايير الشفافية قد يحوّل السياسات الحمائية نفسها إلى بنى ريعية تُضعف القدرة الإنتاجية بدلاً من تعزيزها.
ومن هنا، فإن تمكين رجال الأعمال السوريين من قيادة الوكالات التجارية الاستراتيجية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انعزالاً اقتصادياً أو حمائية تقليدية، بل باعتباره جزءاً من استراتيجية وطنية أوسع تهدف إلى حماية الاستقلالية الاستراتيجية، وتعزيز الأمن الاقتصادي الوطني، وإعادة بناء الطبقة الإنتاجية السورية.
ولهذا، فإن سورية تحتاج إلى نموذج يمكن وصفه بـ«السيادة الاقتصادية التنافسية»، وهو نموذج يُعطي الأولوية لرأس المال الوطني الحقيقي، مع تشجيع الشراكات القادرة على نقل المعرفة والخبرة. ويمكن، على سبيل المثال، ربط حقوق الوكالات التجارية بالتزامات قابلة للقياس، مثل نسب التوظيف المحلي، وإنشاء مراكز تدريب تقنية، وتطوير البنية التحتية للصيانة، وفرض متطلبات لنقل التكنولوجيا، وتحقيق أهداف تدريجية للتوطين الصناعي، بدلاً من الاكتفاء بنموذج قائم على الاستيراد والاستهلاك فقط.
كما يتعين على الإدارة الاقتصادية السورية أن تدرك الحساسية الاستراتيجية لهذه القضية، وأن تتحرك مبكراً لوضع الأطر التنظيمية والمعايير الناظمة لها. فالمسألة تتجاوز بكثير حدود العقود التجارية المؤقتة؛ إنها تتعلق بالبنية الإنتاجية المستقبلية لسورية، وبالقوى التي ستُشكّل بنيتها الاقتصادية الاستراتيجية لعقود قادمة.
وفي وقتٍ أصبحت فيه سلاسل التوريد العالمية نفسها أدواتٍ للتنافس الجيوسياسي، لم تعد بنية التمثيل التجاري مسألة تجارية بحتة، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع يتعلق بالنفوذ والمرونة والاستقلالية الاستراتيجية والتموضع الاقتصادي.
ومع ذلك، فإن الأسواق وحدها لا تصنع السيادة، بل المؤسسات. ولذلك فإن النجاح طويل الأمد لأي منظومة وطنية للوكالات التجارية لن يتوقف على هياكل الملكية وحدها، بل على قدرة الدولة على فرض المنافسة، ومكافأة الاستثمار الإنتاجي، ومنع احتكار القطاعات الاستراتيجية من قبل مصالح ضيقة.
فالاقتصادات التي تُبنى على الفرص قصيرة الأمد وحدها قد تبدو جذابة خلال المراحل الانتقالية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن نموذج تنموي قائم على الأثر طويل الأمد والاستدامة؛ نموذج يستند إلى فاعلين اقتصاديين وطنيين قادرين على حماية السوق المحلية، والاحتفاظ بالقيمة داخل الاقتصاد الوطني، وبناء قدرة إنتاجية مستدامة.
إن السيادة الاقتصادية الحديثة لا تعني عزل الأسواق عن العالم، بل امتلاك القدرة المؤسسية على إدارة الانفتاح وفق شروط وطنية محددة. فالدول لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل أيضاً بمن يسيطر على الوصول إلى أسواقها، ومن يدير سلاسل التوريد وشبكات التوزيع فيها، ومن يحتفظ بالقيمة الاقتصادية ويعيد استثمارها داخل الاقتصاد الوطني.
ولا تقتصر أهمية هذا النهج على قضايا السوق وهياكل الملكية وحدها، بل تمتد أيضاً إلى البعد الاجتماعي والاستراتيجي الأوسع. فاقتصادٌ إنتاجي قادر على توليد فرص العمل، والاحتفاظ بالقيمة داخل البلاد، وتوسيع القاعدة الصناعية والخدمية، يخلق في الوقت ذاته الشروط الضرورية لإعادة استيعاب جزء من رأس المال البشري السوري المُهجَّر. ومن هذا المنطلق، لا تعود قضية عودة اللاجئين مرتبطة بالترتيبات السياسية وحدها، بل بوجود بيئة اقتصادية فاعلة قادرة على توفير الاستقرار وفرص العيش وحد أدنى من القدرة على التنبؤ بالمستقبل.
ولا تتعلق المسألة بعودة اللاجئين بحد ذاتها فقط، بل أيضاً بإعادة تموضع شرائح واسعة من اللاجئين السوريين داخل الدورة الاقتصادية والإنتاجية الجديدة التي ستنشأ حول المنظومات التجارية والصناعية والخدمية المرتبطة بإعادة الإعمار. فالتوسع في قطاعات الخدمات اللوجستية والصيانة والخدمات التقنية وسلاسل التوريد والنقل والتصنيع المحلي التدريجي يمكن أن يفتح المجال لاستيعاب أعداد كبيرة من العمالة السورية الماهرة وشبه الماهرة العائدة من دول الجوار وخارجها. ومن هذا المنطلق، لا تصبح إعادة الإعمار مجرد عملية لإعادة بناء البنية التحتية، بل عملية لإعادة بناء العلاقة الإنتاجية بين المجتمع والعمل والاقتصاد الوطني نفسه.
كما أن لهذه المسألة أبعاداً تتجاوز الداخل السوري نفسه. فدول مثل لبنان والأردن وتركيا ما تزال تتحمل ضغوطاً اقتصادية واجتماعية كبيرة مرتبطة باستمرار النزوح، في حين تحولت قضية اللاجئين نفسها إلى ملف سياسي واقتصادي شديد الحساسية داخل الاتحاد الأوربي. ومن هنا، فإن بناء اقتصاد سوري أكثر إنتاجية واستقراراً على المستوى المؤسسي لا يمثل مجرد عملية تعافٍ داخلي، بل يشكل مساهمة بنيوية في تعزيز الاستقرار الإقليمي وإعادة التوازن الديموغرافي التدريجي في شرق المتوسط.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام سورية لا يكمن في ما إذا كانت ستفتح أسواقها، بل في الكيفية التي سيُعاد عبرها تنظيم هذا الانفتاح بما يعزز القدرة الإنتاجية الوطنية بدلاً من تقويضها.
وفي عالمٍ بات النفوذ يُمارَس فيه عبر الأسواق أكثر مما يُمارَس عبر الجيوش، قد تتحول الوكالات التجارية إلى واحدة من أكثر أدوات السيادة حسماً… أو إلى أحد أخطر المسارات المؤدية إلى تآكلها. فالدول الخارجة من الصراعات الطويلة لا تُحسم معاركها فقط على الجبهات، بل أيضاً فيمن يملك مفاصل أسواقها ويعيد تشكيل اقتصادها القادم.
*باحث اقتصادي ومستشار استراتيجي في إدارة التحول وتطوير الاستراتيجيات.
المصدر: igpcenter
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :