مأزق مضيق هرمز.. هذه خيارات أمريكا وإيران.. من يرمش أولًا؟

مأزق مضيق هرمز.. هذه خيارات أمريكا وإيران.. من يرمش أولًا؟

 

 

 

 

تحليل بقلم بريت إتش. ماكغورك 

في أحلك أيام أزمة الصواريخ الكوبية، فكر الرئيس جون إف كينيدي سراً في السؤال المركزي الذي كان أمامه: من سيتراجع أولاً؟ لعدة أيام، جلست واشنطن وموسكو في اختبار إرادة- كل جانب مقتنع بأن الوقت والضغط يصبان في مصلحته، وكل جانب حذر من أن التراجع قد يجلب خطراً أكبر لاحقاً.
 
أغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية المعتادة، معلنةً أن السفن يجب أن تمر عبر مياهها وتدفع رسوم عبور. في المقابل، أغلقت الولايات المتحدة موانئ إيران، موجهةً رسالة إلى طهران مفادها أنه إذا لم يتمكن العالم من استخدام المضيق كما كان من قبل، فلن تتمكن إيران من استخدامه أيضاً.
 
والنتيجة هي حالة من الجمود، حالة لا توجد فيها مخارج فورية، وعدد قليل من الخيارات التي تتراوح من سيئة إلى أسوأ.
 
الخيار الأول: الاستقرار على الوضع الراهن
 
النتيجة الافتراضية هي أن كلا الجانبين يستقران، معتقدين أن الوقت في صالحهم.
 
ويُظهر القادة الإيرانيون أنفسهم على أنهم مستعدون لدفع بلادهم إلى حافة الانهيار الاقتصادي إذا لزم الأمر من أجل بقاء النظام الثوري.
 
وهناك جانب من الحقيقة في هذا الرأي. قادة إيران ذوو توجهات أيديولوجية- ملتزمون بطرد النفوذ الأمريكي من الشرق الأوسط ومواجهة إسرائيل- وقد عانى الكثير منهم شخصياً من أسوأ من ذلك، بما في ذلك الحرب الإيرانية العراقية الوحشية في ثمانينيات القرن الماضي.
 
ولكن حتى أكثر الأنظمة تحصيناً لها حدود، وسيتفاقم الحصار المفروض على موانئ إيران مع مرور الوقت. حتى قبل بدء هذه الأزمة، كانت إيران تعاني من تضخم يقارب 60% وأزمة اقتصادية تاريخية. ساهمت هذه الظروف في دفع الإيرانيين إلى الشوارع في وقت سابق من هذا العام في احتجاجات قمعها النظام في نهاية المطاف بالقوة. لم تختفِ أي من هذه المظالم.
 
 
ويُبدي الرئيس دونالد ترامب استعداداً للاستقرار، قائلاً إنه لا يشعر بأي ضغط حيال الوضع. وهو مُحقٌّ في أن الاقتصاد الأمريكي أظهر مرونةً، وباعتبارها أكبر منتج للنفط في العالم، فإن الولايات المتحدة اليوم أكثر أماناً من أي وقت مضى في العقود الماضية من صدمات أزمة الشرق الأوسط.
 
لكن تجارة الطاقة تتم في سوق عالمية، ومع تعطل أو تحويل ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية التي كانت تمر عبر المضيق، فإن الضغط على الاقتصاد العالمي سيتفاقم بمرور الوقت، وسيصل في نهاية المطاف إلى الولايات المتحدة. تعتقد طهران أن ترامب لن يتمكن من الصمود أمام هذا الضغط إلى أجل غير مسمى، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. لذا، يعتقد كلا الجانبين أن الآخر سيتراجع أولاً، ما يعني أنه لا يمكن لأي منهما التراجع على الإطلاق.
 
 
الخيار الثاني: التنازل
نادراً ما تتحقق الدبلوماسية الرائدة بالضغط الشديد على الطرف الآخر. فالاختراقات تتطلب تنازلات، والتنازلات بدورها تتطلب تقديم تنازلات. في الوقت الراهن، لا يبدو أن إيران ولا الولايات المتحدة مستعدتان لتقديمها. فكلتاهما تركز على كسر إرادة الأخرى، بدلاً من التوصل إلى اتفاق.
 
وبالنسبة لإيران، يعني ذلك رفض التراجع عن تأكيد سيادتها على المضيق ومطالبتها بمرور حركة الملاحة التجارية عبر الممرات المائية الخاضعة لسيطرتها ودفع رسوم مرور. وقد أطلقت طهران صواريخ وطائرات مسيرة على السفن التي لم تمتثل لهذا الواقع الجديد.
 
 
إنّ هذا الادعاء بالسيطرة على مضيق دولي يُعدّ انتهاكاً لمبادئ حرية الملاحة الراسخة. وبإمكان الولايات المتحدة أن تقود تشكيل تحالف دولي دبلوماسي وعسكري لرفض مزاعم إيران. لكن حتى الآن، لم تفعل واشنطن ذلك، وقد أظهرت إيران قدرتها واستعدادها لفرض مطالبها.
 
وقد تتنازل الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية المطاف عن هذا المبدأ بهدف تخفيف الضغط على الاقتصاد العالمي. وسبق أن أشار ترامب إلى أن المضيق أقل أهمية للمصالح الأمريكية، لكن مثل هذا التنازل سيغير موازين القوى في المنطقة لصالح إيران، وسيثير تساؤلات عميقة حول استقرار الممرات المائية الدولية الأخرى في المستقبل، بما في ذلك مضيق تايوان، وهو ممر مائي دولي تؤكد بكين سيادتها عليه بشكل متزايد.
 
 
الخيار الثالث: القتال
قد تستنتج الولايات المتحدة أن حرية الملاحة عبر المضيق مصلحة أساسية غير قابلة للتفاوض، وتتحرك عسكرياً لتأمينها بشكل مباشر.
 
ولطالما شكّلت حرية حركة التجارة عبر الممرات المائية الرئيسية مبدأً أساسياً من مبادئ القوة الأمريكية. إلا أن عملية مستدامة لإعادة فتح أو ضمان الوصول البحري ستكون على الأرجح مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً حتى في أفضل الأحوال.
 
وأظهرت الجهود الأخيرة في البحر الأحمر حجم التحدي. حتى التحالفات البحرية الناجحة أثبتت أنها أكثر فعالية في صد الصواريخ والطائرات المسيرة منها في استعادة الثقة التجارية بين شركات الشحن.
 
 
ولا يكمن التهديد اليوم بالدرجة الأولى بالألغام البحرية، بل بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي يمكن إطلاقها من على بعد مئات الأميال. وطالما أن إيران قادرة على شنّ هجمات من مواقع داخل أراضيها - بما في ذلك من الجبال المطلة على المضيق- فإن التهديد الذي يواجه الملاحة التجارية لن يتراجع.
 
لذا، يبقى خيار شنّ حملة عسكرية أمريكية لإعادة فتح المضيق بالقوة مطروحاً، لكن جدواه ونتائجه غير مؤكدة. وقد ترد إيران أيضاً بهجمات صاروخية على البنية التحتية للطاقة في الخليج، مما يزيد من حدة الصدمات الاقتصادية العالمية القائمة.
 
في الوقت الراهن.. وضع طبيعي جديد
 
وفي ظل هذا الوضع، ينبغي أن نفترض أن المضيق قد يظل مغلقًا بشكل فعلي في المستقبل المنظور- وحتى لو انحسرت الأزمة الحالية، فإن الافتراضات المتعلقة بحرية الملاحة عبر المضيق قد لا تعود بشكل كامل أبدًا.
 
وتتخذ العديد من دول الخليج خطوات، إذ تُسرّع من وتيرة خطط مشاريع البنية التحتية الممتدة من الشرق إلى الغرب متجاوزةً مضيق هرمز. وقد أثبت نظام خطوط الأنابيب السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب أهميته الاستراتيجية، بينما يُركّز العراق بشكل متزايد على الطرق التي تنقل النفط من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط. ومن المرجح أيضاً أن يبرز ميناء الفجيرة الإماراتي، الذي يتجاوز المضيق، كمركز عالمي أكثر أهمية للطاقة.
 
 
وهذا هو الرد المنطقي طويل الأمد: تقليل الاعتماد على المضيق وعلى قدرة إيران على احتجاز الاقتصاد العالمي كرهينة.
 
لكن مشاريع البنية التحتية تستغرق سنوات، لا شهوراً. وحتى ذلك الحين، قد يبقى العالم عالقاً فيما يُشبه حالة الجمود في مضيق هرمز.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي