لم تعد المسيّرات في الحرب الحديثة مجرد أدوات استطلاع أو وسائل دعم تكتيكي، بل تحوّلت إلى عنصر قادر على إعادة صياغة المعادلات الميدانية بأكملها. وهذا تحديدًا ما بدأت وسائل الإعلام العبرية تتحدث عنه بوضوح متزايد عند تناولها لجبهة جنوب لبنان، حيث باتت “المحلّقات المفخخة” هاجسًا يوميًا يضغط على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
في الأيام الأخيرة، حملت تقارير القناتين العبريتين 12 و13 نبرة غير مألوفة، عكست حجم القلق داخل الجيش الإسرائيلي من هذا النوع من المسيّرات الصغيرة والسريعة، والتي فرضت واقعًا عملياتيًا جديدًا على القوات المنتشرة في الجنوب.
وبحسب ما تم تداوله في الإعلام العبري، فإن جنودًا إسرائيليين أقرّوا بأن طبيعة النشاط العسكري تغيّرت بصورة جذرية بسبب تهديد المسيّرات الانقضاضية، في اعتراف يعكس أن المعركة لم تعد تُدار وفق القواعد التقليدية التي اعتادت عليها إسرائيل طوال عقود.
الأخطر بالنسبة إلى تل أبيب لا يكمن فقط في قدرة هذه المسيّرات على تنفيذ ضربات دقيقة، بل في صعوبة اكتشافها مبكرًا. فالمحلّقات الصغيرة، ذات البصمة المحدودة والقدرة العالية على المناورة، نجحت في تقليص هامش التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، ووضعت الجنود أمام تهديد دائم لا يمكن التنبؤ به بسهولة.
الإعلام العبري نفسه أشار إلى أن اعتراض هذه المسيّرات بات مهمة معقدة، الأمر الذي انعكس مباشرة على حركة القوات داخل الميدان، وعلى أساليب الانتشار والتمركز وحتى على آليات تنفيذ العمليات اليومية.
وفي القراءة العسكرية الأوسع، يبدو أن ما يقلق إسرائيل ليس فقط الحاضر، بل ما قد تحمله المرحلة المقبلة. فالتقارير العبرية تتحدث عن استغلال فترة الهدوء النسبي لتطوير هذا النوع من القدرات، ما يعني أن الجيش الإسرائيلي يواجه تحديًا متصاعدًا لا يملك حتى الآن حلولًا حاسمة له.
هذا التحول يكشف جانبًا بالغ الأهمية في طبيعة الحروب الحديثة: لم تعد الكثرة العددية أو التفوق الجوي وحدهما كافيين لحسم المعارك، بل باتت التكنولوجيا المرنة منخفضة الكلفة قادرة على استنزاف جيوش كاملة وإرباك أكثر الأنظمة العسكرية تطورًا.
وفي جنوب لبنان تحديدًا، تبدو الصورة أكثر حساسية بالنسبة إلى إسرائيل، لأن أي تطور في قدرات المسيّرات ينعكس مباشرة على حرية الحركة البرية، ويزيد كلفة أي مواجهة طويلة. ولهذا، لم يعد الحديث في الإعلام العبري يدور فقط حول “التهديد”، بل حول تبدّل حقيقي في قواعد الاشتباك.
اللافت أن هذه الاعترافات لا تصدر عن محللين مستقلين فحسب، بل تتسرّب من داخل البيئة العسكرية الإسرائيلية نفسها، في مؤشر على أن القلق بات بنيويًا لا إعلاميًا عابرًا.
في الحروب الجديدة، قد لا يكون السلاح الأخطر هو الأكبر حجمًا… بل الأصغر الذي لا يُرى بسهولة. وعندما تبدأ الجيوش المتفوّقة بالبحث عن طريقة لمواجهة “أدوات بسيطة”، فهذا يعني أن ميزان القوة دخل مرحلة مختلفة تمامًا.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :