Icon News
كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
أيها اللبناني، هل تدرك ما حصل؟ هل تدرك أن سفيراً أجنبياً وقف على منبر بكركي، ذلك الصرح الذي يُمثّل ضمير الأمة المارونية وعمقها التاريخي، ليُحدّد لك من يبقى ومن يرحل؟
"من هاجموا البطريرك يروحوا يشوفوا بلد يعيشوا فيه غير هون"... هذه ليست عبارة دبلوماسية، هذه إعلان سيطرة بثوب لطافة. هذا سفير يتجاوز حدود البروتوكول والأعراف الدولية، ليصدر أوامره بمن يحق له البقاء على هذه الأرض التي شربت دماء أجداده قبل أن تُولد دولته.
أين السيادة الوطنية يا ترى؟ أين ذلك المفهوم الذي تدرّسه الكتب وتتغنى به الدساتير؟ هل أصبحت "سيادة" بلا "وطنية"، و"وطنية" بلا "سيادة"؟
"شو نتنياهو بعبع؟"... أم "شو نتنياهو قاتل أطفالنا؟"
ويا له من سؤال ينزل كالصاعقة: "شو نتنياهو بعبع؟"
نعم، سيد السفير، نتنياهو ليس بعبعاً. نتنياهو حقيقة دامية عاشها لبنان. نتنياهو هو الذي حول بيوتنا ركاماً، وشرد أطفالنا، ودفن أحلامنا تحت أنقاض غاراته. نتنياهو ليس "بعبعاً" يُخاف منه في الظلام، بل مجرم حرب يُحاكَم في ضوء النهار.
فكيف يُقلّل سفير من "تنازل" لقاء رئيس جمهوريتنا مع هذا "الغير بعبع"؟ كيف يُسمّيه "ليس خسارة"؟ أليس الاعتراف الضمني بشرعية الاحتلال خسارة؟ أليس التفاوض مع القاتل دون شروط وطنية تنازلاً؟
السؤال المُحرج: لو كان السفير إيرانياً؟
دعني أسألك، أيها القارئ العزيز، سؤالاً بسيطاً: لو كان السفير الذي يقف على منبر بكركي يحمل جنسية أخرى، لو كان اسمه "فلان الفلاني" بدلاً من "ميشال عيسى"، هل كانت "السياديين" — تلك الفئة التي تتغنى بالسيادة حين تُناسبها وتُغمض عيونها حين لا تُناسبها — هل كانت لتُطبّق "الصمت الذهبي"؟
أم أن السيادة عندهم انتقائية؟ سيادة ضد هذا، و"تفاهم" مع ذاك؟
يا له من فرق! حين يتكلم السفير الأميركي، يصبح "تدخلاً" "دعماً"، ويصبح "إملاءً" "نصيحة"، ويصبح "تهديداً" "تشجيعاً". أما لو تكلم غيره، فتقوم الدنيا ولا تقعد.
أين صوت "السياديين" اليوم؟ هل بلعوا ألسنتهم؟ أم أنهم في الحقيقة "سياديين غب الطلب"، يُحرّكون شفاههم حين يُأمرون ويُسكتون حين يُؤمرون؟
"أنا من أصل لبناني"... فأين لبنان فيك؟
يقول السفير إنه من أصل لبناني، ويتغنى بحبه للبنان. جميل. لكن أيها السفير، الأصل لا يُبرّر التجاوز، والحب لا يُبيح التدخل.
إذا كان حبك للبنان حقيقياً، فلماذا لا تقتدي بمن يحمل نفس هذا الحب بصدق؟ لماذا لا تقتدي بموقف الرئيس نبيه بري، الذي لم يُساوم على ذرة تراب، ولم يُقايض بين السيادة والسلام المزيّف؟
بري، الذي يحمل نفس الجذور اللبنانية، اختار أن يكون لبنانياً قبل كل شيء. اختار أن يقول "لا" للضغوط، و"نعم" للكرامة. فلماذا أنت، وأنت تتغنى بنفس الأصل، تختار أن تكون أداة للضغط بدلاً من صوت للسيادة؟
الأصل يا سيدي، ليس بطاقة هوية تُبرّر التجاوز. الأصل مسؤولية تُلزمك بالدفاع عن كرامة هذا البلد، لا بالمساومة عليها.
بري: صوت السيادة الحقيقية
حين زار السفير الأميركي رئيس مجلس النواب نبيه بري، حاملاً معه "معادلة" أميركية مصنوعة — إما لقاء عون-نتنياهو أو الحرب — لم يجد بري "سيادة للإيجار"، بل وجد رجلاً يعرف ثمن تراب بلاده.
"لا مفاوضات قبل وقف إطلاق النار، والانسحاب، وعودة الأسرى"... هذا ليس رداً دبلوماسياً، هذا إعلان استقلال. هذا رجل يضع الشروط اللبنانية على الطاولة قبل أن يجلس، ويُحدّد الخطوط الحمراء قبل أن يُرسم أي خط.
أيها "السياديون"، هل سمعتم؟ هذا هو الفرق بين "السيادة الشفهية" و"السيادة الفعلية". بين "الهتاف في الساحات" و"الموقف في الغرف المغلقة".
"استقلال وشرف لبنان"... مَن يُعرّفهما؟
يقول السفير: "أميركا تريد الحفاظ على استقلال وشرف واقتصاد لبنان".
جميل. لكن اسمح لي أن أسأل: مَن يُعرّف "الاستقلال"؟ هل هو من يقف على أرض لبنان ويعرف معنى "العيش المشترك" من داخله؟ أم من يأتي من وراء المحيطات ليُلقّننا دروساً في "العيش"؟
ومَن يُعرّف "الشرف"؟ هل الشرف في لقاء القاتل دون شروط؟ أم في رفض المساومة على دم الشهداء؟
ومَن يُعرّف "الاقتصاد"؟ هل هو اقتصاد "الطلبات على الطاولة"، أم اقتصاد "الكرامة على الأرض"؟
الخلاصة: السيادة ليست هدية، بل حق
أيها اللبناني، لا أكتب هذا المقال لأُهاجم سفيراً أو دولة. أكتبه لأُذكّر بمفهوم بسيط: السيادة ليست هدية يُمنحها لك الآخر، بل حق تُمارسه أنت.
عندما يقف سفير على منبر بكركي ليُقرّر من يبقى ومن يرحل، فاعلم أن السيادة تُباع في سوق السياسة.
عندما يُقلّل من لقاء رئيسك مع قاتل أطفالك، فاعلم أن الكرامة تُساوم في بازار الدبلوماسية.
وعندما يصمت "السياديون" حين يتجاوز "حليفهم"، فاعلم أن السيادة عندهم لون سياسي، لا مبدأ وطني.
لكن، حين يقف رجل ويقول "لا مفاوضات قبل وقف إطلاق النار"، فاعلم أن هناك من يحمل البلاد بصدق.
السيادة يا سادة، ليست في الهتاف، بل في الموقف. وليست في الاسم، بل في الفعل.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :